الكتابة على الجدران .. هل تتحول إلى فن جداري يعيدنا إلى العصور الوسطى
تختنق الجمادات بتكويناتها المختلفة، سواء كانت أسمنتية، بلاستيكية، أو حتى حديدية، بحروف وعبارات مختلفة اللهجات متقاطعة حيناً ومتفرقة حيناً آخر، لا يفرق بين تنوعها سوى اختلاف خطوطها ولون صبغتها.
"مخاوي الليل" و"أبو هاجوس" و"الحب عذاب" و"انتخبوا أم علي" عبارات تكررت كتابتها على عدة جدران في مواقع مختلفة في مدينة الرياض، و تحتل هذه الجدران منصات رئيسة على مفترق طرقات كبيرة، والملاحظ أن هذه الجمل التي تكررت كتابتها ورسمت بتشكيل حركي سليم ، كأن كاتبها يدونها في مذكراته الخاصة في شعور كامل بالارتياح لما يؤديه !! تاركاً في ذهن من يقرأها علامة تعجب كبيرة عن مقصده من تكرار هذه العبارات.
تزداد الكتابات كثافة على جدران المدارس، أسوار المقابر، دورات المياه، طاولات الدراسة، ممرات المدارس، وخشب النوافذ، وفي الآونة الأخيرة طالت فوضى الحروف الطائشة جدران المقاهي المؤقتة البلاستيكية والخشبية .
التعبير عن الذات بالكتابة ظاهرة صحية
الكتابة على الصخور كانت في العصور الوسطى إحدى أهم الظواهر الثقافية وتعد فنا فريدا مستقلا بذاته له ملامحه وسماته المميزة حيث يتم تدوين أهم الأحداث والقضايا والوصايا عبر هذه الكتابة التي تشمل مختلف نواحي الحياة فتأتي حيناً على شكل مذكرات، مواقف أو تذكير، نصائح أو أحداث ووقائع، في وقت لايتوافر فيه الورق والحبر لمن يريد الكتابة، أما في العصر الحديث فتحولت الكتابة على الجدران إلى سلوكيات ذات أغراض متعددة انقسم المختصون حيال هذه الكتابات إلى مؤيد لتنظيمها بشكل فني راق يعبر فيها أفراد المجتمع عن ذاتهم، وبين معارض لها جملة وتفصيلا لأنها ليست سلوكاً حضارياً لما تسببه من تشويه للممتلكات العامة. العبارات والجمل التي تكتب هي جمل متنوعة لأغراض مختلفة منها ماهو ذات دلالة سياسية، اجتماعية أونكات وطرائف ومنها أيضاً رسائل العواطف والغرام التي باتت حبيسة قلب الكاتب ونثرها أحرفا على حائط، وهناك أيضاً كتابات تحمل النقد السياسي والاجتماعي والرياضي، ومنها ما يحمل عبارات تحمل دلالات أخلاقية سلبية.
الهواة لهذه الظاهرة يطلقون على ما يشاهدونه من هذه الكتابات بـ " صحافة الجدران " أو " الأدب الجداري " ولكنهم يصفونها بالتفوق على الصحافة في بعض الأحيان من ناحية عدم المرور على مقص الرقيب والعفوية في التعبير والصدق في ملامسة هموم صاحبها ومغامرته في نشرها بهذا الشكل .
تحويل الكتابة لفن بدلا من سلوك
الشاب أحمد الدوسري خريج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الذي زار العديد من الدول الأوروبية وشاهد الجدران التي تم تجميلها بكتابات تكتسي ألوانا زاهية اعتمد في تنفيذها على موهوبي الكتابة الذين كانت بداياتهم بسيطة ولكنهم بعد ذلك صقلوا موهبتهم حتى احترفوا الكتابة الجميلة وصنعوا منها فناً تراثياً مميزاً، ويظهر ذلك من خلال زخرفتها ولغتها وجمالياتها التي تمتد من أول الجدار حتى آخره. ويطرح تساؤلاً "لماذا لا نحول الكتابة على الجمادات المختلفة إلى فن بدلا من تركها سلوكاً سلبياً وممارسة ممنوعة؟" ويضيف إن المنع ليس مجدياً وليس حلاً لهذه الظاهرة ،لأنها الآن ممنوعة ومع ذلك موجودة بشكل لافت وغير حضاري.
فهد السالم الطالب الجامعي يؤيد ما ذهب إليه الدوسري في ضرورة التعاطي مع هذه الظاهرة بأسلوب معالجة بديل لمنعها ألا وهو تخصيص جدران للكتابة وتكون مهيأة لذلك في منطقة يرتادها الزوار بشكل كبير، وتحكمها ضوابط، ويتم توفير المواد والأصباغ التي يكتب بها للشباب، وتكون هذه الجدران تحت إشراف مختصين في مادة التربية الفنية أو مادة الخط العربي لجعل الممارسين لها يرتقون بها بشكل أفضل.
أصباغ لا تقبل الكتابة
أشارت أخبار صحفية إلى قيام د. فيكتور كاستنو وزملائه في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك بأبحاث سيعلن عنها في وقت قريب للوصول إلى مادة طلاء غير قابلة للكتابة عليها وستكون مخلوط وجاهز للاستخدام الفوري، وكما أوضح د. كاستنو لمجتمع النانو التكنولوجي في مؤتمر الوقاية من الجريمة والكشف عنها الذي أقيم في لندن أخيرا. أن المكون الأساسي يحتوي على حبيبات متباعدة عدة نانوميتر"النانوميتر واحد على مليار من المتر"، وهذه الحبيبات بها جزيئات مضادة للزيوت ومضادة للمياه ملتصقة بسطحها. وكلهما مهم، لأن المواد المستخدمة في الرسم أو الكتابة إما تحتوي على الماء أو الزيت".
ولكن يتبادر للذهن على الفور إمكانية قيام شركات أخرى بصناعة طلاء معطل لفعاليته "ربما" تجعله قابلا للكتابة !
دلائل كبت !
يتحدث المختصون في علم الاجتماع عن أبرز أسباب الكتابة ودوافعها ويقولون: إن دوافعها ذاتية بحتة، بحيث لا يلجأ إليها إلا من لا يجد فرصة للتعبير عن ذاته بشكل عفوي وفطري، فتتزاحم في نفسه مشاعر وانطباعات بشكل تراكمي، ولا يجيد ترجمتها أو التعبير عنها بشكل طبيعي فيلجأ إلى كتابة انطباعاته في الأماكن العامة، حتى يشاركه من يقرأها هذه المشاعر، وتكون هذه الكتابات ـ أحياناـ حادة التعابير، وفي ألفاظها تجاوزات أخلاقية، وربما يكون صاحب هذه الكتابات يحمل هماً نفسياً جراء هذا الكبت الذي يحيط به في مجتمعه.
ربما يلحظ المتابع أن سلوكيات الكتابة على الجدران تقتصر على المراهقين ولكن أخيرا برزت ظاهرة أخرى ألا وهي تدوين المتزوجين ذكرياتهم عند زيارتهم أحد المقاهي أو المطاعم، ويكون هذا التدوين على شكل كتابات تلطخ جدران المطعم أو المقهى مما يجعل المنظر العام للمطعم أو المقهى غير حضاري.