رسالة ود وآمال لمعالي وزير التجارة والصناعة!

أعتقد أنه لا يهمك أن يهنئك المواطن المخلص بقدر ما يدعو لك بالنجاح, ويأمل أن يلمس على يديك ما يعتقد أن بإمكانك تحقيقه, فأنت لم تكن بعيدا عن المسؤولية, ومركز اتخاذ القرار, وتعرف عن قرب, مدى حرص خادم الحرمين الشريفين على الوقوف مع المواطن العادي, الذي يمثل الغالبية من أفراد الشعب ومساعدته في حياته اليومية وحمايته من التسلط والاستغلال, وفوق ذلك فأنت من بيت تجاري عريق وذو تجربة طويلة في هذا المجال, ومن ثم يسهل عليك معرفة ما تجري به التعاملات اليومية بشقيها الإيجابي والسلبي في هذا القطاع.
إن آمال المواطنين فيك كبيرة, وأكبر منها آمال خادم الحرمين الشريفين الذي وضع ثقته فيك, وحملك هذه المسؤولية لتنوب عنه في حماية الناس مما واجهوه خلال السنتين الأخيرتين, بالذات, من صنوف الجشع والاستغلال, في قوت يومهم, مما أنت به عليم, وما شهدت به الوقائع والوثائق وألسنة الناس ووسائل الإعلام وعلماء الأمة, وفي مقدمتهم مفتيها, وخطباء الحرمين الشريفين مما لا يحتاج إلى برهان, وهو ما يعطيك الفرصة للبدء الفوري في إصلاح الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى انتظار أو إعداد دراسات حتى يلمس المواطن فائدة التغيير والاختيار.
ولعل فيما يلي من نقاط نستقيها من أفواه الناس ما يلقي الضوء على بعض القضايا التي تشغل بال المواطن وتحدد أولويات حياته ويساعد على بلورتها واتخاذ الحلول بشأنها:
ليس انخفاض الأسعار خيرا كله
ما فائدة المواطن من تدني سعر الخبز مثلا إلى درجة يأتي يوم لا يجد فيه هذا الخبز في متناول يده, أو يلهث بحثا عنه بأضعاف سعره؟ وما فائدة المواطن من دعم سلعة يهدر نصفها أو ثلثها على الأقل؟ ويستفيد منها في الدرجة الأولى المقيمون؟ فما حدث من أزمة في الدقيق لم يكن مستبعدا من قبل المطلعين على الأقل, فبعد ارتفاع سعر الشعير كان الدقيق هو البديل لأعلاف الماشية, ما دام يفوق الشعير في فائدته, وأسعاره متدنية إلى درجة تغري بإهداره مخبوزا أو غير مخبوز, بل وتهريبه إلى الدول المجاورة, ورغم وضوح هذه الرؤية فقد أضاعت الوزارة وقتا طويلا في محاولة التهرب من المسؤولية وإزاحتها عنها إلى أطراف أخرى, إلى أن اعترفت بالسبب. ونرجو أن تستفيد من هذا الدرس القاسي في دراسة الأمور تحسبا لما قد يحصل في المستقبل. فالتوازن مطلوب في كل شيء والمواطن لا يهمه أن يكون سعر كيلو الخبز ريالا وسعر كيلو الرز سبعة ريالات مثلا؟ إذ إن الشريحة الكبرى من المواطنين تعتمد في قوتها اليومي على الثاني أكثر من الأول, ولكن المهم أن يكون كل منهما بجوارهم بسعر منطقي, وليس مهما أن نكون أرخص بلد في سلعة ما, وأغلاها في سلعة أخرى يعتمد عليها الناس.
الغلاء ظاهرة لكن المشكلة في المبالغة
ليس هناك شك في أن ارتفاع الأسعار يعد ظاهرة عالمية, وهي مقبولة إذا لم تتجاوز واقعها, بيد أن المشكلة تأتي من استغلالها وتضخيمها, وافتعال رفع إضافي يقوم به بعض التجار والمستوردين بأكثر من الهامش المعزو للعامل الخارجي, إما تحوطا أو استغلالا! والمشكلة الأخرى هي أن السعر لدينا لا ينخفض بعد ارتفاعه, حتى لو زال العامل المسبب, ظنا من المستورد أن الناس قد تعودوا عليه, فضلا عن أن السعر يرفع على مخزونات بضائع لم تتأثر بالارتفاع الذي يسببه العامل الخارجي, أو على منتجات محلية لا يدخل العامل الخارجي في مكوناتها. والمشكلة الأدهى في منظومة المشكلات التي يواجهها المستهلك هي أنه إذا ارتفع سعر سلعة معينة يألفها الناس, ولنقل أحد أنواع الجبن, لسبب خارجي أدى إلى ارتفاع سعرها بشكل بين, فإن مستوردي وحتى منتجي الأنواع الأخرى يسارعون إلى رفع أسعار السلع المشابهة حتى لو لم يطلها السبب ذاته, وهذا ما يسمى المجاراة والتقليد والاستغلال, وهو واضح في أسواقنا.
حماية المنافسة ومكافحة الاحتكار
نصفت الفقرتان 6 و7 من قرار مجلس الوزراء الشهير الخاص بمكافحة الغلاء الصادر بتاريخ 19 المحرم الماضي على حماية المنافسة العادلة وتشجيعها, ومنع أي نوع من الممارسات الاحتكارية, وإعادة النظر في نظام الوكالات التجارية, ويعلق المواطنون آمالا كبيرة على تنفيذ ذلك, فقد اكتووا بما فيه الكفاية بنار الممارسات الاحتكارية, مثلما حصل في الألبان, في ظل الغياب الكامل لتطبيق نظام المنافسة, الذي لا يقصد به الممارسات المعلنة فحسب, فالمشرع قد تحسب لما قد يجري في السوق من ممارسات خفية غير معلنة كتلك التي أشرت إليها, أو ما يجري من ممارسات أخرى, مثل توفير المشروبات الغازية لمطاعم الوجبات السريعة دون غيرها, من قبل منتجيها مجانا في مقابل محاربة الأصناف الأخرى ومقاطعتها, وهو ما يمثل احتكارا وإخلالا واضحا بنظام المنافسة, في الوقت ذاته. والغريب أن شركات المشروبات الغازية تربح من ذلك الاحتكار رغم أنها تقدمه مجانا, وذلك لأنها تضمن إدمانه من قبل زبائن المطعم, وتعودهم عليه أينما ذهبوا. والغريب أيضا أن المطاعم التي تحصل عليه مجانا تبيعه بأسعار عالية.
أما الوكالات فإن من غير المفهوم حماية وكالة سلعة غذائية من أجل زيادة تسلطها واحتكارها, وليس هناك أدنى فائدة للمواطن من وقف استيراد سلعة يعتمدها في غذائه على تاجر واحد, بل المفهوم عالميا أن تقتصر الوكالة على أجهزة تحتاج إلى ضمان وخدمات صيانة بعد البيع.
أين يكمن رفع الأسعار؟
رغم ما قيل عن المستوردين إلا أن الجزء الأكبر من الاستغلال ورفع الأسعار يأتي من قطاع التجزئة, ألم تر, معالي الوزير, أن محال التجزئة لدينا, وبخاصة البقالات تزداد بشكل لافت, أكثر من أي بلد آخر, بدليل أنك إذا احتجت إلى أي منها في بلد آخر, ستجده على مسافات متباعدة, أما عندنا فما عليك إلا أن تمد يدك لتجد ما تريد في متناولها. وألم يلفت نظرك, أنه رغم انتشار مراكز التسوق, (الهايبر ماركت) في كل مدينة في المملكة, فإن البقالات الصغيرة تنتشر بسرعة طلوع الشمس من الغمام, والسبب معروف, وهو أن تلك المحال لا تسعّر, أي لا تضع بطاقة السعر, رغم وجود أنظمة تؤكد ذلك. والسبب الثاني أنها تبيع بهوامش ربح عالية ولا تجد رقيبا ولا حسيبا, وهو السر الذي يفسر وجود البقالة بجانب البقالة. وأنا أسند قولي هذا إلى مشاهدات وإلى نتائج دراسة قامت بها كلية الاقتصاد والإدارة في جامعة الملك عبد العزيز بهذا الخصوص ("الاقتصادية" 28/8/1428هـ), وإلى مؤشر الأسعار الذي تنشره أمانة منطقة الرياض, الذي يوضح بشكل جلي الفوارق الكبيرة بين محل وآخر.
جمعية حماية المستهلك
لقد سئم الناس وهم ينتظرون قيام هذه الجمعية وبروزها للميدان, بعدما أدرك المسؤولون خطأ تغييب مثل هذا النشاط طيلة العقود الماضية. فالمواطنون يلمسون بطئا شديدا في التعامل مع هذا الأمر, رغم شدة الحاجة إليه, والفوائد الكبيرة التي أفرزها قيام مثل هذه المؤسسات المدنية, وأقربها جمعية حقوق الإنسان, التي لمس المواطن والمقيم فائدتها في الدفاع عن حقوقه, ولأن جمعية حماية المستهلك يمكن أن تقوم بعبء كبير عن الوزارة, فإن المؤمل هو إعطاء موضوعها ما يستحق من اهتمام. والله من وراء القصد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي