البنوك الخليجية: كيف نجا سعد حين هلك سعيد؟

[email protected]

بدأت خطوات العولمة في التسارع والبروز على الصعيد الاقتصادي منذ انهيار جدار برلين، ثم إثبات ذلك بظهور ارتباطات أسواق المال عند حدوث الأزمة الروسية التي تبعتها الأزمة المالية المكسيكية عام 1994 التي طالت عددا كبيرا من دول أمريكا اللاتينية، وتم التأكد من ارتباط الأسواق المالية وهيمنة العولمة المالية والاقتصادية بعد ذلك بالأزمة الآسيوية الشهيرة في عام 1997 والتي ابتدأت في تايلاند وأثرت في جميع أسواق المال في دول جنوب شرق آسيا بجانب بعض الأسواق العالمية أيضاً. وحين نتناول العولمة المالية والاقتصادية، فإن عملية رصد مؤشرات أو تبعات العولمة الاقتصادية تتضمن متابعة الكثير من الجوانب التي تتكامل مع بعضها لتشكل تعريفاً أو تحقيقاً لمفهوم العولمة. ولغرض التحديد والتركيز على فهم جوانب معينة من الصورة الكبرى المتمثلة بمفهوم العولمة الاقتصادية التي تشكل بدورها أحد أركان العولمة بتعريفها الشامل المتضمن للجوانب الثقافية والسياسية وغيرها، سنتناول في هذه المقالة أحد الأمثلة على تباين تأثير العولمة في نشاطات البنوك الخليجية من ناحية التجاوب مع مختلف التأثيرات العالمية تبعاً لخصوصية النشاط والعمليات المصرفية المتأثرة.

فمنذ صيف 2007 وإلى الآن، ما زالت أزمة الرهن العقاري الأمريكية وتبعاتها المتمثلة في انكماش النشاط الائتماني العالمي وتراجع الثقة في تمويل الاستثمارات عموماً، والاستثمارات في المنتجات المالية المرتبطة بالقطاع العقاري خصوصاً تتزايد مع تردد واضح من قبل الأسواق للتجاوب مع خطوات التحفيز الاقتصادية التي قامت بها السلطات النقدية الأمريكية ممثلة في خفض كبير لأسعار الفائدة بلغ نحو 125 نقطة أساس في اجتماع الشهر الماضي وبجلسة استثنائية سبقته بأسبوع إضافة إلى التحفيز المالي المتمثل في الإعفاءات الضريبية التي تجاوزت 150 مليار دولار.
فالأسواق المالية شديدة الحساسية وطبيعة أزمة الائتمان الحالية تستدعي القلق نظراً لكثرة وتنوع الأطراف التي تتحمل مسؤولية ما حدث كشركات تقييم الائتمان، البنوك، شركات الاستشارات الاستثمارية، شركات مراجعة التاريخ الائتماني للمقترضين، شركات هيكلة وتسنيد قروض الرهن العقاري، البنوك المستثمرة في منتجات وأدوات الرهن العقاري عموماً، والجهات الرقابية والتنظيمية. لذا، وعلى الرغم من القرارات النقدية والمالية الأمريكية، ما زالت أزمة الائتمان تلقي بظلالها على توقعات النمو الاقتصادي العالمي وأداء مختلف الوحدات الاقتصادية، وعلى وجه الخصوص أداء ودرجة تأثر البنوك الأمريكية، الأوروبية، والعالمية جراء الخسائر التي تكبدتها من منتجات الرهن العقاري الأمريكي المهيكلة في قائمة الاستثمارات، ومن ناحية أخرى الخسائر المتأتية من التحوط الشديد وشح السيولة الناتج عن تخوف القطاع المالي العالمي من تمويل أي مشاريع أو استثمارات متعجلة أو تنضوي على قدر من المخاطرة.
إذن، انتقلت أزمة الرهن العقاري الأمريكية إلى معظم الأسواق العالمية نتيجة للعولمة المالية والاقتصادية، حيث إن بنوكاً وصناديق في أوروبا والشرق الأقصى أعلنت عن خسائر كبيرة في استثماراتها المرتبطة بقطاع الرهن العقاري الأمريكي كبنك نورذن روك البريطاني الذي سقط جراء الأزمة وتجري محاولات حكومية بالتعاون مع بعض المؤسسات المالية الأخرى حالياً لإنعاشه.
وعند تناول البنوك العاملة في القطاع المصرفي الخليجي، فإنها ليست استثناء عن بقية بنوك العالم وعلى الخصوص البنوك ذات الملكية الأجنبية المشتركة التي تأخذ جزءاً كبيراً من استراتيجياتها بناء على توجيهات شركاء الملكية والدعم الفني أو بناء على اقتراحات رؤساء المجموعات وقناعاتهم التي ترتبط بشكل أو بآخر بتوصيات دور الاستشارات في مدينة المال في لندن أو وول ستريت في نيويورك. بناء على ذلك، فمن المتوقع تناغم الاستثمارات التي تقوم بها بعض البنوك الخليجية مع نظرائها من البنوك العالمية، فإذا انكشفت الأخيرة وعانت تبعات أزمة الرهن العقاري، فمن المتوقع أن تعاني البنوك الخليجية جراء ذلك إن كانت استراتيجية الاستثمار مستنسخة.
وقد انتهى العام الماضي دون إعلان أي من البنوك السعودية والخليجية عن خسائر نتيجة لأزمة الرهن العقاري، إلا أنه خلال الشهر الماضي أعلنت ثلاثة بنوك خليجية بتاريخ 23/2/2008 عن تحقيق خسائر مالية نتيجة تعاملها في منتجات مرتبطة بالرهن العقاري الأمريكي بلغت نحو ملياري دولار أمريكي. وتشمل البنوك الخليجية المؤسسة العربية المصرفية التي خسرت 230 مليون دولار، بنك البحرين الكويت الذي خسر نحو ثلاثة ملايين دولار تمثل 10 في المائة من رأسمال البنك، وبنك الخليج الدولي الذي أعلن شطب 757.3 مليون دولار بسبب الخسائر الناتجة عن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة. حقيقة، ليس المستغرب أن تتأثر البنوك الخليجية من أزمة الرهن العقاري، بل المستغرب جداً هو نسبة تركز هذه الاستثمارات من إجمالي المحفظة الاستثمارية خصوصاً لبنكي الخليج والبحرين والكويت، وكأن هذه البنوك تفتقد لأبجديات إدارة المخاطر. وبالطبع فإن خسائر البنوك الأمريكية والأوروبية أكبر بالقيمة المطلقة، إلا أنها كنسبة للحجم الضخم لمحافظها الاستثمارية تعد أهون من مصيبة بنوكنا الخليجية.
وأخيراً، كنتيجة طبيعية لتشابه الهياكل الاقتصادية، يتشابه القطاع البنكي في جميع دول الخليج تشابهاً يصل إلى حد التطابق من ناحية الهياكل التنظيمية، أحجام نمو مختلف الوحدات، نمو أسواق مختلف المنتجات المصرفية، وحتى في نوع الخدمات المقدمة. كما تتشابه البنوك في دول مجلس التعاون في استراتيجياتها، محافظها الائتمانية، وحتى محافظها الاستثمارية. بل إن الإدارات العليا للبنوك الخليجية بجانب مديري الائتمان والاستثمار يحملون الخبرات والتدريب نفسيهما نظراً لتخرجهم من النظام البنكي نفسه أو من بيئات عمل متشابهة ونتيجة لتنقلهم بين البنوك نفسها. ولكن، منذ بداية خسائر أزمة الائتمان ولحد الآن لم تعلن معظم البنوك الخليجية عن خسائر مرتبطة بالأزمة، وهذا أمر يستحق الإشادة لتحوطها وحذرها في الاستثمار، أليس كذلك؟ فالسؤال، كيف نجا سعد حين هلك سعيد؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي