تطوير "سوق الزل" يحافظ على مكانته التاريخية وتنشط حركته التجارية

تطوير "سوق الزل" يحافظ على مكانته التاريخية وتنشط حركته التجارية

استكمالا لما نشرته "الاقتصادية" عن سوق الزل أمس، فقد حظي السوق باهتمام الجهات المعنية به، لما تمثله مكانته التاريخية، إذ أنجزت الهيئة العليا لتطوير الرياض أعمال تحسين السوق، والتي تهدف إلى الحفاظ على أنشطته التجارية والتراثية، ورفع المستوى العمراني والحضاري له بما يتوافق مع مستوى منطقة قصر الحكم "منطقة السوق"، ومشاريعها التطويرية، ولكي تكون عاملا مساعدا لتسهيل جذب المتسوقين والمرتادين.
وتشمل التحسينات التي تم إنجازها ممرات المشاة، مواقف السيارات، التجهيزات الخدمية، تجميل البيئة في الموقع، لتكون السوق إحدى الواجهات السياحية في وسط المدينة.
واشتمل نطاق التحسين أيضا على إزالة بقايا المباني الطينية المتهدمة حول منطقة السوق، والقيام بأعمال التبليط، والتظليل والإنارة للممرات الداخلية لكي توفر إضاءة طبيعية لتلك الممرات. وشمل نطاق التحسين كذلك تنظيم لوحات المحال التجارية، وذلك بوضع تصاميم موحدة لها، إضافة إلى تحسين واجهات الممرات الداخلية، وأسقفها، كما اشتمل نطاق العمل التحسيني على تنظيم مداخل السوق من جهة الشوارع المحيطة به، إضافة إلى تأكيد المحور الرئيسي للمشاة القادمين من جهة الجنوب لربط المحكمة العامة ومسجد الشيخ محمد بن إبراهيم بمنطقة قصر الحكم، حيث دشن الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض، تلك التحسينات وسط حفاوة من أهالي السوق وأعيانه، وتناول أمير الرياض معهم القهوة العربية، وقدموا له العديد من الهدايا التذكارية بهذه المناسبة والتي لاقت استحسانه.
ويقع سوق الزل في وسط مدينة الرياض، في المنطقة المحصورة بين شارع طارق بن زياد جنوبا، وشارع الشيخ محمد بن عبد الوهاب غرباً، وشارع الشيخ محمد بن إبراهيم شرقاً.
وأثناء الجولة في السوق، أكد هشام النافع صاحب محل لبيع "غتر الشال والعود ودهن العود"، أن بداية عمل المحل كانت تحت إشراف والده ـ رحمه الله ـ وواصل هو المسيرة من بعده. وأشار إلى استفادته الكبيرة منه، ما جعله خبيرا في إدارة شؤون المحل، وأضاف أنه متخصص في بيع "الشالات، العود، دهن العود"، والتي يختلف احتياج الناس لها على مدار السنة فمثلا "الشالات" يزداد الطلب عليها في فصل الشتاء، و"دهن العود" و"العود" يحتاجها الناس في كل الأوقات، لافتا إلى أن الأنواع التي يعرضها من الشالات هي من النوع "الكشميري"، الذي يميل إليه الشباب.
وعن بعض "الدقلات" الموجودة داخل المحل، أكد أنها من النوع الباكستاني، وأن الإقبال عليها يزداد في فترة المناسبات، والأعياد وفي الفترة التي تتزامن مع فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة في الجنادرية.
وفي محل آخر، تحدث سعد المقبس حول الفترة التي قضاها في السوق، والتي تمتد إلى أكثر من 38 عاما، استطاع من خلالها أن يكسب إعجاب الجميع من خلال ما يعرضه من أصناف "العود، العنبر، الورد، المسك، الزعفران"، وأشار إلى أن العود له أنواع كثيرة ومن هذه الأنواع "الكمبودي" و "المروكي" و "الماليزي" و "اللاوس"، وأن هذه الأنواع تختلف من حيث الجودة والطلب، وأفضلها العود الهندي حيث يراوح سعر الكيلو منه ما بين 10 آلاف و20 ألفا، وقدم المقبس نصيحة للزبائن والمتجولين بأن "العود الصناعي" الذي انتشر بكثرة في أسواقنا خلال الشهور الماضية يعد ضارا بالصحة، ولا يحتوي على الرائحة الطبيعية للعود، كما أنه يحتوي على مواد كيميائية مضرة بالجهاز التنفسي، وبسؤالنا عن عدم تواجد أبنائه في المحل أكد أن أبناءه ملتزمون بوظائفهم ولا يمكن أن يتركوها لأجل الجلوس معه، كما أن طبيعة عمل السوق تتعلق بمدى الارتياح للعمل فيه، وشن المقبس هجوما على زملائه الذين هجروا السوق، وقاموا بتركه للعمالة تديره كيفما شاءت، وقال للأسف إن أكثر المحال هنا باسم "سعوديين" ولكن من يديرها غيرهم، وهذا أثر كثيرا في زبائن السوق، الذين فقدوا أعمدته وفقدوا التعامل الواضح الذي كان يقوم به السابقون، وبات من يديره للأسف العمالة الوافدة والتي لا تعرف من السوق سوى اسمه، ولا تعرف أهميته وعراقته الأصيلة.
وقال محمد الثنيان صاحب محل "تراثيات"، إنه أمضى في السوق 20 عاما، لم يشعر من خلالها بالملل ولم يراوده أي شعور بترك هذه المهنة، والتي كسب من خلالها ـ كما يقول ـ حب واحترام العديد من المواطنين والمقيمين. وأشار إلى أن ما يعرضه من "أباريق" تشيكية الصنع، تجد إقبالا جيدا من المتسوقين، لافتا إلى أن "دلال القهوة القديمة" التي تستخدم لتزيين بيوت الشعر يطلبها الكثير. وأوضح أن هناك الكثير من الأغراض التراثية التي يعجب بها المارة والمتجولون من ضمنها هذه الأغراض "الشمعدان" التي تستخدم للإنارة ويوجد في داخلها الشمع، وتتواجد بأنواع وبأحجام مختلفة، وأضاف أنه يعرض أيضا في محله "مرشات العطور" التي تحكي زمن الأفراح القديم، لافتا إلى أنها تجد رواجا في الوقت الحالي، عند المهتمين بالتراث.
وفي جانب آخر من السوق، قال ملفي الشمري، الذي كان يهم بشراء بعض المستلزمات، إنه لا يمل من تكرار زياراته إلى سوق الزل، نظرا لما يحويه من سلع متنوعة وتراثيات لا يمكن أن يجدها في أي سوق غيره، كما أن بعض المحال القديمة والتي تعرض "الشالات والبشوت والمستلزمات الرجالية" ما زال الإقبال عليها كبيرا، ما يؤكد جودة ما تعرضه، وأنها بهذه السلع كسبت احترام الجميع، بعكس الأسواق الأخرى والتي لا هم لها سوى استنزاف جيب المواطن بأي طريقة. وأشار إلى أن السوق ينقصه التكييف على الطريقة الحديثة، كما ينقصه أيضا وجود الشباب السعودي للعمل فيه، مثل ما يحدث في الأسواق الأخرى، والتي نجد فيها تواجد الشباب بكثرة للاشراف على عملية البيع.
أما محمد الأحيدب والذي كان يجلس أمام محله التراثي، الذي يحتوي على تراثيات قديمة، جعلت منه متحفا صغيرا ملفتا للنظر، إذ أكد أن فترة وجوده هنا تمتد إلى أكثر من 25 عاما، يعرض على المتجولين كل ما هو قديم، مضيفا "كل من كان يزورني ويشاهد الأشياء المعروضة يبدي إعجابه بها، حتى الزوار الغربيين كانوا يتوافدون بكثرة"، مشيرا إلى أن "في الآونة الأخيرة أصبح من يأتي إلي هم من أصحاب الهواية، والمتعلقين بالأغراض التراثية". وأشار إلى أن وجود العمالة الأجنبية يهدد مستقبل السوق، إذ إن "أغلب المحال باسم "الكفيل السعودي" ولكن لا وجود له بيننا، فلهذا أطالب بمنع هؤلاء الوافدين من مزاولة مهنة البيع".
واستعرض الأحيدب بعض ما يحويه محله التراثي مثل البنادق، السيوف، الخناجر، الفضيات (المصنوعة من الفضة)، ودلال القهوة والنجور، والصناديق ذات الأحجام المختلفة، والأبواب القديمة، مؤكدا أن محله يحتوي على بعض المصاحف القديمة " قرآن وعلوم" والتي يرجع تاريخها إلى أكثر من 200 عام، ويحتوي أيضا على "مباريد القهوة"، وتحف قديمة ذات زخارف جميلة، كما يحتوي على "المقعدة" والتي كان يوضع فيها التمر حتى تمتلئ تماما، و"القدحان" الذي كان يوضع في داخلها الحليب والطعام، لافتا إلى أنه يحتفظ بالمكواة القديمة التي تعبأ بالفحم وتسخدم لكي الملابس، ويحتفظ أيضا "بالمعصرة" التي تستعمل لعصر البرتقال، وكذلك "الهاتف أبو هندل"، وكذلك "المنفاخ" الذي من خلاله تنفخ النار، إضافة إلى أنه يحتفظ بالملابس الرجالية والنسائية القديمة. وبسؤالنا عن كيفية تجميع هذه الأشياء التراثية، أجاب، إن البعض منها جمعه بنفسه، والأخرى وصلت إليه بطريقة خاصة، وأن تجميع التراثيات كانت هواية قديمة تحولت مع مرور الوقت إلى تجارة.
أما عبد العزيز النافع أحد أكبر تجار السوق فأشار إلى أنه تخصص في بيع السجاد بأنواعه، مثل السجاد الإيراني، والسجاد التركيي، وهناك أنواع أخرى يتم صناعتها في أفغانستان، وباكستان، وكذلك في الهند، والصين، لافتا إلى أن السجاد الإيراني يحتل المرتبة الأولى في الأفضلية من حيث الطلب، مؤكدا أن أسعار أي نوع من السجاد تعتمد على جودة صناعته، فمثلا السجاد المصنوع من حرير تجد أن أسعاره مرتفعة، ثم يليه السجاد المصنوع من الحرير والصوف معا، ثم السجاد المصنوع من الصوف. وأضاف أن مهارة العقدة والألوان، وكذلك الأصباغ قد تتحكم في سعر السجاد، وقديما كانوا يصبغون السجاد بألوان من مواد طبيعية من الأعشاب، بعكس ما يحدث الآن من أصباغ كيميائية مصنعة.
وعن احتياج الناس للسجاد في الوقت الحالي، أكد النافع أن الوقت الحالي يشهد إقبالا كبيرا على السجاد الشرقي بسبب أن أكثر أرضيات المنازل مصممة من "الرخام والسيراميك"، وبالتالي زاد الإقبال على القطع الصغيرة منه، لتغطية بعض أرضية المنزل، ولكي تعطي الجمال للمكان الموجودة فيه، وعن الأشياء الأخرى التي يعرضها للبيع في محله أجاب بقوله: نعرض كذلك "السياح" والتي تفرش على الأرض، وتمتاز بالصناعة البدوية الخالصة، إلا أن قلة صناعتها في الوقت الحالي قد يؤدي إلى اختفائها من السوق، مشيرا إلى أنه يؤيد وجود العمالة القديمة والتي لها معرفة بالسوق وباحتياجاته، لافتا إلى عدم تأثر مبيعاته بقلة المتجولين، وأن أكثر الطلبات يتم استقبالها عن طريق الهاتف.
وفي أحد المحال الواقعة في قلب السوق، أكد راشد بن شعيل صاحب محل عود، أن له خبرة كبيرة في أنواع العطور، اكتسبها من خلال بقائه في هذا السوق أو الأسواق الأخرى التي عمل بها، وأن ما يعرضه للبيع هو "العود والمداخن والمعمول والعطور الشرقية".
وحول ما يطلبه الناس، قال يعد العود و"دهن العود" من الأشياء الضرورية والتي لا غنى للناس عنها خصوصا في المناسبات، ويزداد الطلب عليها باستمرار، مشيرا إلى أنه يتعامل مع العود "الإندونيسي" نظرا لانقطاع العود "الكمبودي" وكذلك العود "الهندي". وعن "الزعفران" أشار إلى أنه امتنع عن بيعه بسبب غلاء أسعاره حيث وصل سعر الكيلو جرام من "الزعفران الإيراني" إلى أكثر من خمسة آلاف ريال وهذا السعر يعد غير معقول إطلاقا.

الأكثر قراءة