رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المراجعة الشرعية وعقد شركة ولاء ـ التسرع في الغموض

[email protected]

أخيرا أعلنت الشركة السعودية المتحدة للتأمين (ولاء) عن توقيع عقد مع شركة دار المراجعة الشرعية لتعمل كهيئة شرعية تقوم بدراسة وتقويم معاملات وأنشطة الشركة ومراجعة آلية التأمين والعقود والمنتجات للتأكد من إجرائها وفق الضوابط والمعايير الشرعية المعتمدة. يشير الإعلان أيضا إلى أن المراجعة ستكون دورية سنوية وسترفع التقارير عن نتائج عمليات المراجعة بصفة دورية للهيئة الشرعية للدار لاعتمادها. هذا الإعلان تاريخي وحدث يجب أن نقف عنده كثيرا فنحن على مفترق طريق حقيقي وأي مسار نختاره سوف لن يعيدنا إلى هذا النقطة مرة أخرى ولن تكون لنا فرص كبيرة للعودة ورسم الطريق مجددا.
وافق مصرف البحرين المركزي على منح رخصة إلى دار المراجعة الشرعية ليضعنا أمام الأمر الواقع. ومع كل احترامي للمصرف ولشركة الدار للمراجعة الشرعية ومثيلاتها واحترامي العميق جدا للهيئات الشرعية العاملة معها إلا أن إنشاء شركة للمراجعة الشرعية (وفي نظري) هو عمل متسرع. إن أخطر ما يواجه المشاريع الإسلامية اليوم هو التسرع في التنفيذ قبل أن تأخذ القضية حقها من النظر، ولعل في تجربة القوائم البيضاء للشركات المدرجة في الأسواق المالية وما نتج عنها، وكذلك الصكوك الإسلامية التي اندفع الجميع نحوها ثم تبين أن هناك خلافا، من حرم ومن أحل. في كل هذه التجارب وغيرها كثير من تورق ومضاربة ما يغني عن الحديث عن خطورة التسرع في تنفيذ المشروع الإسلامي. نعم هناك حماسة للمنتج الإسلامي (وأنا أول المتحمسين) وهناك فعل حقيقي لخلق الطلب نحو هذا المنتج، لكن القضية الإسلامية بعمومها هي قضية عبادة قبل أن تكون قضية عرض وطلب وسوق أو حتى قضية تجربة فعل وردة فعل. إننا نختار البديل الإسلامي ليس رفضا للمنتج المالي المعاصر (أو حتى خلافه) مهما كان مصدره وجنسه بل نحن نختار البديل الإسلامي لأننا نتعبد لله بهذا الاختيار. لن تكون لدينا فرصة حقيقية للعودة وتصحيح المسار إذا سرنا بالناس نحو ما يعتقدون أنهم يعبدون الله به كما أمر ثم نخبرهم أننا قد أخطأنا.
تعلن شركة الدار للمراجعة الشرعية نفسها كجهة خارجية مستقلة تقدم خدمات مهنية واستشارية متخصصة للمؤسسات بهدف مساندة وترسيخ التطبيق العملي للأفكار والحلول المالية والاقتصادية المتوافقة مع الأحكام الشرعية ومعالجة أي مشاكل. كما تؤكد الشركة من خلال موقعها أنها تهدف إلى تقديم خدماتها من خلال مراجعة وتحليل أنشطة الشركات والفتاوى ذات الصلة. اعتقد أنه يجب علينا أن نقف هنا كثيرا وأمام كلمات مهمة جدا منها كلمة مراجعة ومستقلة وخدمات مهنية، وفي إعلان شركة "ولاء" أقف أيضا أمام كلمة التقرير. هذا المفاهيم استقرت (إن هي) في علم المراجعة بعد عقود من النقاشات الحادة والتحليلات العظيمة واللجان التي نحتت اسمها في ذاكرة المراجعين، ومع ذلك فقد استخدمت هذه المفاهيم في الإعلان وفي موقع شركة الدار بشكل يجعل من الصعب على متخصص فهم مدلولاتها فإن كانت تشير إلى مقاصدها في علم المراجعة فإنه من الصعب قبول مثل هذا العقد وما قد ينتج عنه من تقارير.
كيف يمكن قبول عبارة خدمات مهنية بينما لم توجد المهنة أصلا. لا أعتقد أن عمل المدقق الشرعي أصبح عملا مهنيا تقف وراءه مهنة لها اعتباراتها واختباراتها ومرجعيتها، ليس مجرد تصريح بالعمل كافيا لادعاء المهنية. كما أن مهنية تشير إلى التأهيل المهني وهو معيار من معايير المراجعة فما هو ذلك (التأهيل المهني) الذي حصل عليه المدقق الشرعي. إنني مؤمن بالعمل الإسلامي كقضية تعبدية وليست هناك مجالات واسعة للتجربة والخطأ.
أشارت شركة الدار إلى أنها تقدم خدمات مستقلة. مرة أخرى لا أعرف ما يقصد بالاستقلال هنا؟ هل مجرد كون الجهة خارجية كافيا لاعتبارها مستقلة؟ إذا كان العلماء المشاركون في شركات التدقيق هم من وضع النظام الشرعي للعمل المصرفي ثم عادوا في ثياب المدققين له فكيف تطمئن للاستقلال الفكري؟ ثم الاستقلال قضية مطلوبة لفهم المسؤولية؟ فما مدى مسؤولية شركة التدقيق الشرعي إذا أصدرت تقريرا عن أعمال مصرفية أنها شرعية ثم صدرت فتاوى ضد تلك الأعمال وهو ما نعاني منه؟ هل هناك مسؤولية فعلا تقتضي الاستقلال؟ وإذا كان لدي شك كبير في الاستقلال الفكري فإن الشك عندي أكبر في الاستقلال المادي. من الذي يعين شركة التدقيق ولمن ترفع تقاريرها ومن المستفيدون من هذه التقارير. هل هناك احتمال لتعارض المصالح لدى معد التقرير الشرعي؟ هل ينتج عن مثل هذا التعارض إخلال بالاستقلال ومن ثم المسؤولية؟ هل تتخيل حدوث مثل ذلك؟ القضية تعبدية أولا وأخيرا ، فهل عندما يعرف مدقق شرعي بعدم شرعية الأعمال وأن الشركة تقوم بمخالفات شرعية وسكت عن ذلك لتعارض المصالح عنده وقدم تقريرا نظيفا (إن وجد)، فما هو أثر مثل تلك المعلومة إن هي حدثت؟ ما الحكم الشرعي لمن أصدر حكما شرعيا يقتضي تعبد الناس لربهم وفقا لحكمه وهو يعلم أنه غير صادق؟ أكرر عباراتي أن القضية تعبدية أولا وأخيرا ولا تحتمل التجربة والخطأ.
وإذا كانت المراجعة متنوعة من مراجعة القوائم المالية إلى مراجعة مدى الالتزام إلى خدمات الفحص والتأكيد، فإن عقد شركة "ولاء" غير واضح المعالم (وشركة الدار غير مستقرة في ذلك فهي تقدم الاسم بالعربي كمراجع ثم كفاحص عندما ترجمته إلى Shariyah Review Bureau)، ولكنه يشير إلى أن يقدم المدقق الشرعي تقاريره، وفي ظل عدم وضوح نوع المراجعة فإن نوعية التقارير غير واضحة أيضا. التقارير في مراجعة، بشكل عام، تمثل رسائل إلى المستخدمين، كما أنها تتنوع من حالة إلى أخرى بحسب نتائج المراجعة. التقرير في المراجعة هو بداية الرحلة وهو نهايتها. إن الوصول إلى تقرير معين في المراجعة يتطلب جمع أدلة وتوثيقها، كما أن للمراجعة مداخل متعددة تؤثر بشكل كبير في مسؤوليات المراجع تجاه من يطلع على تقاريره. كما أشار العقد إلى أن تلك التقارير يتم إعدادها بشكل دوري، وكلمة دوري لها معان مهمة جدا فهل تشير في التدقيق الشرعي إلى المعاني نفسها ومنها أن المراجعة غير شاملة أي تتم على أقل من 100 في المائة من العمليات وبذلك يتم استخدام العينات. إذا كان ذلك، فكيف تتم العملية بشكل مهني؟ هل يمكن إسقاط حكم شرعي باستخدام العينات؟
إنني أضع الأسئلة المهمة ـ وبقي منها الكثير- ليس للهدم ولكن للبناء. والله من وراء القصد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي