الغش الجديد.. تسمين الأغنام بمساحيق التنظيف
تنوعت أساليب الغش في الماشية، وتعددت طرقها، بغرض الكسب الوفير دون عناء، لكن بعضاً من التجار في العاصمة لم يجد طريقة أفضل للغش من غسل الأغنام بماء دافئ خلط معه مسحوق للتنظيف لتظهر بشكل مختلف تماما عما عهدها عليه، خصوصا الأغنام الهزيلة، إذ يجعلها تبدو سمينة، وهو ما يؤدي إلى "خداع" المستهلك العادي.
وينشط في هذه الأيام مع اقتراب عيد الأضحى الغش في أسواق الماشية، إذ تبدأ العمالة ممارسة أعمال الغش في الماشية مع سكون الليل، إذ تجمع الأغنام في أماكن مخصصة للغسل، حيث يضاف إلى الماء مستحضرات وخلطات من شأنها أن تجعل الماشية الهزيلة تبدو وكأنها سمينة بعد غسلها بنحو أسبوع. ويتركز الغش على نوع واحد من الأغنام وهو "النعيمي"، لكثرة الطلب عليه ورواجه في السوق المحلية خلافا للأنواع الأخرى، وكذلك قابلية مظهره الخارجي للغش.
ويرى مراقبون لحركة سوق الماشية وسط الرياض، أن تجار الماشية ممن تقع حظائرهم خارج أسوار المدينة وتحديدا بعيدا عن السوق لا يهتمون بجودة لحمها ونظافته، وذلك لرعيها بريا وتناولها طعاما أفضل.
ويحرص كثير من المستهلكين على شراء أضاحيهم مبكرا هربا من غلاء وارتفاع أسعارها قبيل أيام العيد الأولى، وليبتعدوا كذلك عن الغش الذي قد يطولهم في أيام العيد.
وفي نوع آخر من الاحتيال على المستهلك، وجد بعض التجار وسيلة لإيهام المشتري من خلال وضع علامات تدل على أن الخروف ربي في الصحراء، وهو ما يبحث عنه عادة المستهلكون، لكنه لا يكتشف هذا النوع من الغش إلا بعد الذبح. وخلال هذه الأيام يبدأ تجار الماشية هذه الأيام تدشين مشروع قصير الأجل وهو تسمين الأغنام بواسطة "الملح"، والذي يعتبره كثير من البيطارة أنه مضر بصحة الماشية، وكذلك الإنسان، لأنه "تسمين" دون فائدة.
ويعترف باعة الأغنام أن أسعار هذا العام تفوق بكثير أسعار العام الماضي، موضحين أن السبب هو أن خرافهم خالية وسليمة من أمراض العصر التي أصابت بعض المواشي الأوروبية المستوردة. وراوحت أسعار الأغنام ما بين 800 و1600 ريال للرأس، واحتل قمة هرم هذه الأسعار (النجدي) الذي تتم تربيته محليا في مزارع متخصصة وفي البراري.
ونحر العام الماضي ما يزيد على ستة ملايين رأس. ويؤكد تجار ارتفاع أسعار الأغنام بنسب قد تصل إلى 150 في المائة قبيل أيام عيد الأضحى المبارك، كما هو الحال مع النجدي الذي ارتفع سعره من 500 ريال للرأس في الأيام العادية لتصل إلى نحو 1600 ريال، فيما ارتفع النعيمي بنحو 70 في المائة حيث ارتفعت أسعاره التي كانت بحدود 550 ريالا (146 دولارا) للرأس في الأيام العادية لتصل إلى 950 ريالا (253 دولارا) خلال فترة الأضاحي.
ويرى تجار الماشية، أن هذا الارتفاع في الأسعار جاء بسبب النقص الكبير في عدد المواشي المناسبة للأضاحي والمتوافرة في الأسواق السعودية حالياً خاصة بعد منع السلطات السعودية استيراد الحيوانات من عدد من المناطق خوفاً من إصابتها بالأمراض، مشيرين إلى أنه توجه شخصياً للبحث عن المواشي المناسبة في عدد من الدول كباكستان وأميركا الجنوبية لتوفير مصادر بديلة للأغنام.
وطالب بسرعة إيجاد لجنة مراقبة دائمة على أسواق الأضاحي المحلية للتأكد من مطابقة الأغنام المباعة للمواصفات الشرعية، خاصة بعد دخول مربي ماشية سعودية لبيع أغنام تقل أعمارها عن الستة أشهر، وتبدو كبير الحجم، نتيجة التغذية الجيدة التي حظيت بها الماشية المحلية هذا العام بعد هطول الأمطار وتحسن المراعي.
ورغم أنه لا توجد أرقام دقيقة حول إجمالي الذبائح التي تستهلكها مدينة الرياض سنويا فإنها تقدر بنحو 1.1 مليون ذبيحة، إلا أن عمليات الذبح خارج المسالخ الرسمية تتم عادة في المطابخ، والمطاعم الشعبية التي تغفل مسألة التخلص من بعض الأعضاء الحيوانية التي تمثل مستودعات خصبة للأمراض وهو ما تم السماح به مؤقتاً لتلبية حجم الطلب على المسالخ الرسمية، فيما تقدر أوساط سوق الماشية في العاصمة السعودية نسبة ما سيتم ذبحه خارج المسالخ الرسمية في منطقة الرياض بنحو 80 في المائة من إجمالي عدد الذبائح التي يقدر ذبحها يومياً.
ويوجد في الرياض حاليا أربعة مسالخ رسمية موزعة في مناطق العزيزية، الحائر، النسيم وظهرة البديعة، والملاحظ أن هذه المواقع جذبت إليها أعداداً من المطابخ الصورية التي تقوم بذبح الماشية التي ترفضها تلك المسالخ، وكما يقول أحد المهتمين بالثروة الحيوانية فإن تلك المطابخ تعمل وكأنها مسالخ بديلة للمسالخ الرسمية مما يثير القلق لدى المؤسسات الخاصة التي تدير المسالخ الرسمية بعقود طويلة الأجل، وبرسوم تراوح بين 10 و15 ريالا للذبيحة الواحدة، إلى جانب عملها على الاستفادة من المخلفات مثل الجلود.
ووفقا لورقة عمل أعدتها غرفة تجارة الرياض فإن هذه الظاهرة تسهم في تهديد الثروة الحيوانية بالتناقص والانكماش عبر ذبح صغار الإناث بعيداً عن الرقابة، وهو ما يتعارض مع توجه الحكومة السعودية نحو تطوير قطاع الثروة الحيوانية وتنميته لتلبية الطلب المحلي.
كما تثير الظاهرة مخاوف أخرى تتعلق بصحة الإنسان أيضا من خلال ذبح الماشية الموبوءة، إذ يعاني قطاع الثروة الحيوانية من انتشار الأمراض والأوبئة التي تنتقل عدواها من الدول المصدرة للماشية، وانتشارها عبر وسائط النقل والأسواق، وهذه الأخيرة تعد أبرز مسببات انتشار الأمراض والأوبئة، إذ تختلط فيها الحيوانات السليمة بالمريضة، مع غياب أي نوع من أنواع الحجر على الحيوانات الواردة على أسواق الماشية.
وتشير الورقة التي أعدها فريق الثروة الحيوانية والألبان المنبثق عن اللجنة الزراعية في غرفة الرياض إلى أن أمراض الحيوانات المستوردة قد لا تظهر أثناء الفحص الأولي في المحاجر الحيوانية، بل تأخذ وقتاً بعد انتهاء فترة كمون المرض في جسم الحيوان، الأمر الذي يتطلب فترة حجر طويلة، وإجراء اختبارات ذات فاعلية أكبر، ويسعى الفريق ذاته إلى إعداد دراسات تهدف للحد من انتشار الأمراض الوبائية الوافدة، ومقاومة الأمراض المحلية، والتعرف على الوضع الصحي لأسواق الماشية وتطويرها، ومراجعة مستويات الأداء في المسالخ.
وكانت وزارة الزراعة السعودية قد زودت التجار والمستوردين، بنشرة ربع سنوية عن الأمراض المحجرية للحيوانات والطيور والدول الموجودة فيها، أوردت فيها قائمة بالأمراض الحيوانية والدول الموبوءة شملت الطاعون البقري، جنون الأبقار، الالتهاب الرئوي البللوري في الأبقار، الحمى القلاعية، مرض الكلب، التهاب الأنف والقصبة الهوائية المعدي في الأبقار، الحمى الفحمية، التريبا نوسوما، طاعون المجترات الصغيرة، جدري الأغنام، سكرايبي، والدودة اللولبية، وحمى الوادي المتصدع.
وعلى الصعيد ذاته نشطت أسواق الماشية في الرياض، وازدحمت سوق العزيزية التي تعد أكبر سوق للأغنام في العاصمة السعودية بالمشترين الذين توافدوا عليه خلال اليومين الماضيين، وسجلت السوق دخول أعداد كبيرة من الشركات والمؤسسات الكبرى مثل الخالدية، الوطنية، نادك، اخوان، لبون، وغيرها من الشركات التي لجأت إلى تقديم ضمانات لعملائها تتيح لهم إرجاع الماشية في حالة اكتشاف عيب شرعي، وهو ما مكنها من الاستحواذ على حصة تتجاوز 22 في المائة من حجم سوق الأضاحي في الرياض الذي يصل عند حدود 1.1 مليون رأس، وتعد من أكبر العواصم العربية والإسلامية تقديما للأضاحي خارج حدود مكة والمشاعر.
وتعد المناسبة فرصة لزيادة مداخيل العمالة الوافدة في الرياض، حيث يلجأ أفراد من العاملين في مهن مختلفة كسائقي ليموزين، عمال بناء، وسباكين، ونجارين وغيرهم إلى تقديم خدمات الذبح والسلخ مقابل أجور قد تصل إلى 100 ريال للرأس الواحد، رغم أن أمانة مدينة الرياض وفرت أربعة مسالخ بطاقة 1800 ذبيحة في الساعة لخدمة سكان المدينة، في هذه الأثناء ثبتت أسعار اللحوم المجمدة في الرياض عند معدلاتها السابقة، واستبعد عاملون في هذه السوق أن يطرأ أي تغيير على أسعار اللحوم المبردة والمجمدة خلال الفترة المقبلة.
يذكر أن أعداد الثروة الحيوانية المحلية من الماشية في السعودية بلغت 9.17 مليون رأس مع نهاية عام 1997 منها 6.10 مليون رأس من الضأن منها 2.1 مليون رأس تنتج في المشاريع المتخصصة، 2.6 مليون رأس من الماعز، 785 ألف رأس من الإبل، فيما استوردت أكثر من أربعة ملايين رأس من الماشية في النصف الأول فقط من عام 2000 الماضي احتلت الأغنام غالبيته حيث بلغ حجمها نحو 8.3 مليون رأس.