محرقة غزة.. ونهوض العنقاء
تتشبث الذاكرة الصهيونية المريضة بمحرقتها النفسية، فالشفاء بالنسبة لها هو التهديد بتعريتها وتسليط الضوء عليها وفضح حجم وكثافة الظلام والكراهية والعنف والحقد والنبذ للآخر فيها. هذا يعني إفقادها خلطتها الشاذة الشريرة ونزع سلاح تدميرها الشيطاني الشامل وحرمانها من استخدامه، نظرياً من خلال المغالطات وتزييف حقائق التاريخ ونسج الأكاذيب والافتراءات والتملص من المواثيق الدولية والقرارات، وعملياً من خلال مسلسل الإبادات والتنكيل والتدمير والتشريد واحتلال الأراضي وسرقة البيوت.
هذا بالضبط ما فعلته إسرائيل منذ احتلالها فلسطين وهو ما تفعله اليوم أيضا في عملية الشتاء الساخن على غزة والتبجح في أن ما تقوم به من عدوان إجرامي إنما هو "محرقة" في إصرار عجيب بائس على التماهي مع المحرقة النازية التي ذاقها اليهود إبان الحرب العالمية الثانية وكأنما دولة إسرائيل تعتبر ذلك مجدا وأمثولة ينبغي لها الاحتفاظ والاقتداء بها، رغم أن آلاف الأبرياء، من اليهود كانوا ضحايا لها، لكن الذاكرة الصهيونية تبدو ضنينة بالتخلي عن ذلك الإرث الأسود وعن تلك الكارثة البائسة وبدلا من أن تجعل من صفو القيم الحضارية طهورا لها يشفي اليهود من هولوكوستهم النفسي ومن تلك البشاعة نجد الدولة العبرية أحرص ما تكون على إذكاء سعير تلك الذكرى وإبقاء المحرقة النفسية وقادة في ذاكرة ساستها وضباط وجنود جيشها.
لقد وقف أحرار العالم وشرفاؤه ضد تلك المحرقة ورفعوا أصواتهم عاليا لإدانتها، ولم ير العالم في الأجساد البشرية ا لتي كانت تقاد للأفران سوى أن أولئك مثلهم من أبناء الإنسانية لا يستحقون أي قدر من الإهانة فكيف بالإحراق، لم يمايز العالم فيهم جنسا ولا لونا ولا دينا ولا عرقا وإنما رآهم فقط أناسا وقعوا فرائس جلادين مجرمين مرضى هم هتلر وزبانيته، فكيف تستبسل وتثابر دولة إسرائيل التي تزعم أنها وريثة سلالة أولئك الضحايا لكي تكون صورة أولئك الجلادين، بل وعلى نحو أبشع؟!
يبدو أن المحرقة النازية وزعقات هتلر وجوبلز ورجال الجوستابو تحتل موقع القداسة لدى دولة إسرائيل وأن المحرقة النفسية تجري في عروق الصهاينة يتم تلقينها للأطفال مع حليب الرضاعة إلى جانب ذكريات أثيرة أخرى مثل مذابح العصابات الصهيونية كالأرغن والهجانا وشتيرن في فندق داود وفي ديرياسين وصبرا وشاتيلا وبحر البقر وقانا وجنوب لبنان. ومن هنا فلا غرابة في تسابق ساسة إسرائيل على التصريح بأن عملية الشتاء الساخن التي تشنها على غزة إنما هي "محرقة" إمعانا من هذه الدولة الباغية في الاعتصام بتلك الذاكرة الحفية بمرضها النازي وتأكيدا على التماهي مع العنصرية البغيضة التي تختزل أهل الأرض قاطبة بهم كشعب مختار، يحيا ويفنى الآخرون: ذبحا تفجيرا، أو إحراقا.. وذلك أجدى فهو بالنسبة لإسرائيل يبقي الذاكرة مخمورة تعاقر حريقها بمزيد من الحرائق وأن تكون غزة فرن غاز كبيرا بل أن تكون كل مدينة أو قرية فلسطينية في انتظار هذا السعير، فالذاكرة الإسرائيلية نشوانة بمرض محرقتها النفسية وبالمجازر وهي توقد جحيما وتسفك دما كلما انطفأ جحيم أو توقف النزف في نزوع شيطاني رجيم إلى أن تمسي فلسطين كلها رمادا، تتمدد عليه مملكة يهودا الخزعبلاتية كما يهلوس العبرانيون، ليس على تراب فلسطين فحسب، وإنما من النيل إلى الفرات كما تقول خريطة الكنيسة.
هذا هو سيناريو "الهولوكوست" الإسرائيلي فقبل محرقة غزة كانت محارق، لكن يبقى في النهاية أن الذاكرة التي تنهش عصب قادة إسرائيل هي في النهاية مجرد ذاكرة مريضة والرماد الذي تحلم بأن تراه خامدا ستهب منه العنقاء الفلسطينية، بل ملايين العنقاءات فلا يصح إلا الصحيح، فما حدث في التاريخ أن تخلت أرض عن شعبها ولا تخلى شعب عن أرضه طال الزمان أو قصر!