التضخم بين آلن جرينسبان وحمد السياري

[email protected]

ذكر محافظ مؤسسة النقد (البنك المركزي) في مقابلة تلفزيونية أنه يتوقع استمرار التضخم في النصف الأول من هذا العام، وأن يبدأ في الانخفاض تدريجياً في النصف الثاني وأن تعويم الريال ليس مناسباً نظراً لاعتماد اقتصاد المملكة على النفط. بينما ذكر رئيس مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق (البنك المركزي) أنه يرى أن تعويم العملات الخليجية سوف يساعد على خفض التضخم. الأول أحد أهم أركان الفعاليات الاقتصادية والمالية في المملكة ويتميز بالدقة والحرص. والثاني ارتقى إلى ما تعد ثاني أهم مسؤولية في أمريكا وكان يقود البنك المركزي الأمريكي لمدة 18 عاما حتى العام الماضي. في ظل هذا الاختلاف في وجهات النظر وبالتالي اختيار السياسات المنشودة – ماذا عن حال بقية المراقبين والمحللين ناهيك عن عامة الناس ممن يعانون التضخم ولا يجدون إلا الخلاف بين علية القوم في المال والاقتصاد .. هل نستمع إلى من هو قريب إلى دفة الاقتصاد السعودي أم إلى من كان قريبا إلى دفة الاقتصاد الأمريكي والعالمي؟ هل أهل مكة أدرى بشعابها؟
للإجابة عن هذه الأسئلة الصعبة يجب أن نستعرض بعض الحقائق ذات العلاقة كالتالي:
الأول أن التضخم في المملكة ينبع من ثلاثة مصادر، الأول تضخم في الأصول (العقار والأسهم)، والثاني من المواد المستوردة خاصة الغذائية ومواد البناء وجزء ثالث هو الأجور سواء الوطنية أو الوافدة. تحليل كل جزء ومعرفة مساهمته في معادلة التضخم يساعد على إيجاد الأدوات المناسبة للتعامل معه.
هناك قصور إداري في التعامل مع تضخم الأصول حيث عانى الاقتصاد السعودي تضخما مخيفا في أسواق المال، ولقد رأينا ذلك في الأسهم حتى بدأت سلسلة من الإصدارات الجديدة تؤثر إيجاباً في هذه الناحية من التضخم تدريجيا، بينا لا يزال العقار يعاني. السبب الرئيسي هو الطلب المتزايد في ظل عرض لم يواكبه مما رفع الأسعار. الحل سيبقى دائما في تغيير النظرة خاصة إلى الأراضي من خلال تطبيق الزكاة ومنظومة الرهن والإخلاء.
الثانية أنه ليس هناك من تزايد كبير في عرض النقود أسرع مما هو متوقع في ظل الوفرة المالية والنمو الاقتصادي في السنوات القليلة الماضية. ولذلك فإن هذا العامل ليس له دور كبير في التضخم في هذه الحقبة.
الثالثة حقيقة أن سعر الصرف سوف يبقى نقطة خلاف لذلك دعنا نوضح أن ربط الريال بالدولار لا يزال ضروريا؛ فالخريطة التجارية في المملكة توضح أن الغالبية الساحقة من الصادرات مقومة بالدولار بينما جزء معتبر من الواردات أيضا يقوم بالدولار، لذلك فإن ضرورة العلاقة بين الريال والدولار واضحة. النقطة الأخرى التي تختلف جذريا هي مدى الحاجة إلى تعديل الصرف مقابل الدولار وهذه ليس لها ضرورة بسبب أن الدولار سوف يبقى "مؤشرا" ليس له علاقة عميقة بالحركة الاقتصادية الداخلية في المملكة وهي الأهم على المدى البعيد. فالاقتصاد السعودي لا يزال ذا طابع "مالي" أكثر منه اقتصاديا (أي أن السياسة المالية أهم من السياسة النقدية).
يلاحظ أن هناك خلطا كبيرا بين مسببات التضخم ومصادره وبين آثاره والحاجة إلى تخفيف معاناة الكثير. التضخم في جزء منه مستورد ويصعب التعامل معه وجزء داخلي يمكن تذليله. هناك تداخل بين استحقاقات التنمية الشاملة والعميقة من خلال إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي وبين الأحداث المهمة الوقتية مثل ازدياد العوائد النفطية والتضخم والإصلاحات التنظيمية والتنفيذية.
رصد هذه الحقائق وتفكيكها والتعامل معها بحزم وشفافية هي الخطوة الأولى نحو اقتصاد لديه رغبة في تنمية مستدامة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي