نريد دعم السعودة .. إذاً لنخفض ساعات العمل
تجدي المقارنة ببيئات أخرى لا تعاني المشكلة التي نعانيها, في تلمس السبب في معاناتنا منها. وهذا أسلوب ناجح في بيئات الأعمال الإدارية ويسمى المقارنة المرجعية ويعد من الأساليب الإدارية الحديثة.
لنعد لمشكلتنا التي لم يُجد معها الكثير من الحلول التي طبقت في السنوات الماضية، فمعدل تسرب السعوديين في القطاع الخاص يعد عالياً جداً بكل المقاييس، وجميع الجهود التي تبذل لتوفيق رأس طالب العمل برأس الجهة عارضة العمل تذهب أدراج الرياح نتيجة عدم استمرار الشاب السعودي في الوظيفة، وبالتالي مزيد من الخسائر سواء لصاحب العمل الذي يدفع للتدريب والتوظيف والوزارة التي تبذل الجهود تلو الأخرى لدعم السعودة.
هناك عاملان رئيسيان لنجاح التوظيف هما المقابل المادي والمزايا الأخرى من جهة وساعات العمل والإجازات من جهة أخرى. وهما الموضوع الرئيس للمفاوضات التي نسمع عنها بين نقابات العمال والشركات.. في بقية بقاع الأرض بالطبع! فمن المفترض أن من يقوم لدينا بمهمة التفاوض أو حماية حقوق العامل وزارة العمل، وبكل أسف فهي تتحرك في كل الاتجاهات ما عدا هذين الاتجاهين.
لنترك جانب الرواتب فقد وصل فيها الجدل إلى طريق مسدود، فالمطالب بحد أدنى للأجور ترد عليها وزارة العمل باستبعاد ذلك لضرره بالاقتصاد لأنه سيساوي بين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة رخيصة التكلفة، ولنتحدث عن ساعات العمل والإجازات في القطاع الخاص، هل هي داعم للسعودة أم منفّر منها ؟ هل هي مقاربة لنفس الظروف في القطاع العام أم بعيدة عنها؟ ولأي درجة؟ هل هي مقاربة للظروف في البلدان التي تتمتع باستقرار العمالة في وظائفها أم لا؟
نتعرف أولاً على ظروف الموظف السعودي في القطاع الخاص فهو يعمل في ظل نظام العمل السعودي 2192 ساعة في السنة (ستة أيام في الأسبوع) ويحصل على 91 يوماً إجازات بما فيها أيام الجمعة واليوم الوطني والإجازة العادية!
نبدأ بالمقارنات والمقارنة أسهل وأقرب في القطاع العام السعودي الذي يعمل تحت منظومة قانونية مستقلة هي نظام الخدمة المدنية، بينما يعمل القطاع الخاص تحت منظومة أخرى هي نظام العمل، في القطاع العام يعمل الموظف قريبا من 1491 ساعة سنوياً ويحصل على 152 يوماً إجازة تقريبا.
ماذا عن المقارنة ببقية العالم (الرأسمالي)؟
والمرجع فيها دراسة إحصائية مقارنة على موقع معهد سياسات العمل والتدريب الياباني على موقعه على الإنترنت، وهو منظمة تابعة للحكومة اليابانية (http://www.jil.go.jp)
نبدأ بطرفي العالم ففي أمريكا يعمل الموظف 1948 ساعة سنوياً ويحصل على 127.1 يوماً إجازة، ونظيره على الطرف الآخر من العالم في اليابان يكدّ 1996 ساعة سنوياً و127.4 يوماً إجازة, أما في وسط العالم المتقدم في أوروبا، يعمل الموظف في بريطانيا 1888 ساعة في السنة ويحظى بـ 137 يوماً إجازة، وجاره الفرنسي يعمل 1538 ساعة و140 يوماً إجازة في السنة، أما العامل الألماني فيعمل 1525 ساعة ويرتاح 143.2 يوماً في السنة. علماً أن الراحة الأسبوعية يومان في جميع هذه البلدان وهي محتسبة ضمن الإجازات السنوية، كما احتسب يوم راحة واحد أسبوعياً ضمن إجازات نظام العمل السعودي.
المقارنة كما ظهر لنا أعلاه ليست في صالح الموظف السعودي حتى مع أكثر البلدان رأسمالية, أي التي يدفعها رأس المال لأقصى مصلحة خاصة للشركات وأصحاب رأس المال. فلنا أن نتساءل ما الذي يجعلنا نسمح للقطاع الخاص بتشغيل الموظف بهذا القدر المبالغ فيه، ثم لا نقنع بذلك بل نتهم السعودي بالكسل والتسرب من القطاع الخاص الرحيم.
الأمر يحتاج إلى مراجعة الطرق التي تتبعها الوزارة لإنجاح مساعيها في السعودة والتوطين, فقرارات من شاكلة تحديد نسبة السعودة أو فرضها على نشاطات بعينها دون دراسة لأضرارها لن تجدي ولن تفيد وستجعلنا ندور في حلقة مفرغة كالتي ندور فيها منذ سنوات، أما إذا سلكت الوزارة نهجا علميا في تدعيم جهودها فإنها لا شك ستنجح، ومن ذلك تخفيض ساعات العمل الطويلة التي يقضيها الموظف في عملة والتي لا يستطيع تحملها الموظف الياباني وهو المحب للعمل المقبل عليه ولا الفرنسي المنتج للإيرباص ولا الألماني الذي وصلت صادراته لدول المعمورة كافة، إذا فكيف سيتحملها السعودي الذي ترعرع على التزامات عائلية وأسرية متعددة؟
هذا السؤال أتركه لمسؤولي السعودة للإجابة.