أزمة غلاء ونقص سلع أم قصور إدارة وتخطيط؟!
في الأشهر القليلة الماضية تنامت ظاهرة التضخم وتشعبت لتطول الكثير من السلع الضرورية، خاصة تلك التي تتعلق بمعايش الناس اليومية من غذاء ومسكن وملبس. فمن أزمة الحديد وارتفاع سعره بمعدلات عالية إلى النقص في تموين الدقيق في بعض مناطق السعودية. السؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين ويجعلهم في حيرة من الأمر هو: لماذا تقع مثل هذه الأزمات في بلد ينعم بالرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي ويسعى فيه ولاة الأمر إلى تقديم الرفاهية لشعبهم ويتبع نظام السوق الحر؟ والحقيقة أن الإجابة تتضمن عدة جوانب مهمة، قد يكون من أبرزها ما يرتبط بالتخطيط كمنهج وأسلوب في إدارة الموارد.
هناك قصور في فهم جوهر التخطيط ومستوياته، ومتعلق بذلك أيضا مفهوم المشكلة أي ما المقصود بالمشكلة. الإشكالية تكمن في أن مدى التخطيط في معظم الحالات يكون على مدى زمني قصير جدا قد لا يتجاوز الأشهر وفي أفضل الحالات قد يصل إلى سنة. وهذا بطبيعة الحال لا يمنح الفرصة لرؤية الصورة كاملة ولا التعرف على المتغيرات القادمة ومن ثم لا يكون هناك استعداد كاف لمواجهة التحديات المستقبلية لتقع فجأة وعلى حين غرة دون حول ولا قوة. إن من الضروري وفي ظل التغيرات السريعة والكبيرة التي يشهدها عالم اليوم وتشابك المصالح والانفتاح الاقتصادي والثقافي بين المجتمعات أن يكون هناك استراتيجية بعيدة المدى تتضمن رؤية مستقبلية وتحديد للمهمة والأهداف الوطنية للسنوات الثلاثين المقبلة حتى يكون الجميع على بينة من الأمر فتسهم القطاعات بوعي تام وإدراك للدور الذي تلعبه في مشروع التنمية الوطنية وتنسيق للمشاريع والأنشطة المختلفة ليكون هناك تكامل وتعاون بدلا من حال التشرذم والتنافس الجهوي والتناقض في السياسات والمشاريع بين القطاعات الحكومية في كثير من الأحيان. وفي هذا السياق يجب إدراك وفهم المشكلة بالشكل الإيجابي وليس السلبي بمعنى أن المشكلة تعني الفرق بين الوضع القائم والوضع المرغوب أي أن المشكلة تنشأ من التطلعات والطموحات في وضع أفضل عما هو عليه الحال. ولذا عندما يكون هناك تخطيط يكون هناك أهداف مرغوبة نحاول الوصول إليها واعتمادا على حجم الثغرة بين الوضع الحالي والوضع المرغوب يكون حجم المشكلة وهو ما يحدد أولويتها في العمل الحكومي.
هذه النزعة الإيجابية نحو التغيير والتطوير والتحسب للمتغيرات المستقبلية تجعلنا أكثر تحكما وسيطرة على الأحداث وأقل عرضة لتأثيراتها السلبية. إلا أن التفكير السلبي للأسف الشديد هو السائد بالبيئة الإدارية البيروقراطية بحيث يختزل مفهوم المشكلة على ما يقع من صعوبات وتحديات فجأة دون سابق إنذار، إنها إدارة الأزمات وليس إدارة بالأهداف والتخطيط. ولذا لم يكن مستغربا أن ينشغل الجميع بإطفاء الحرائق هنا وهناك دون التفكير الجاد في تجنبها والوقاية منها ابتداء! إن التنظيم البيروقراطي يحقق الضبط والربط والتحكم والمساواة والتوثيق وتسلسل واضح للسلطة الإدارية وتطبيق الإجراءات على نحو غير شخصي، وهذه بلا شك أمور قد تقود إلى الإنتاجية كما يقول ماكس فيبر صاحب النموذج البيروقراطي المثالي، إلا أن البيروقراطية بطبيعتها ومع مرور الزمن تتحول إلى شيء آخر يكتنفه التعقيد والإغراق بالإجراءات الروتينية والتحوصل وعدم القدرة على الاستجابة للمتغيرات والمستجدات الخارجية وهذا بيت القصيد. وهكذا تنشغل الإدارات الحكومية بهمومها اليومية ويسود اعتقاد بالاستقرار وعدم التغير وتأنس للمألوف وتتراخى ويكون هناك بيات طوال السنة دون تحسب للقادم وتوقع المستقبل. قد يكون هذا مصدر الأزمات التي تحدث من حين لآخر حين يظن أصحاب القرار في الإدارات والمشاريع الحكومية أن الأشياء من حولهم ثابتة لا تتغير وأن الأوضاع تستمر على ما هي عليه. إن التغيرات التي تحدث تكون بتراكم وتدرج حدي بسيط قد لا يلاحظه الجهاز الإداري المنشغل بالأمور الروتينية وفجأة تتحول هذه التغيرات إلى طود كبير نسميها أزمة. إن من بين أهم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية تزايد عدد السكان وتغير نمط الاستهلاك وتنامي أعداد المدن ونسبة التحضر والانفتاح الاجتماعي والاقتصادي على المجتمعات الأخرى هذه المتغيرات وغيرها يجب رصدها وملاحظتها لاستباقها أو على أقل تقدير الاستعداد لها واحتوائها ومسايرتها.
الأمر الآخر الذي يلزم أخذه في الاعتبار في فهم الأزمات الاقتصادية هو أن آلية السوق كفيلة بخلق التوازن المطلوب بين الطلب والعرض على أقل تقدير في المدى الطويل. وأن هذا التوازن بين كمية الطلب وكمية العرض يضمن عدم وجود الفائض أو حصول النقص في السوق، كما أن آلية السوق أكثر كفاءة في استخدام الموارد لحساسيتها الشديدة برغبات المستهلكين. إلا أنه في بعض الأحيان لا تستطيع الشركات الخاصة الإنتاج بالقدر الكافي أو استيعاب الآثار الاجتماعية الإيجابية أو السلبية لمستوى إنتاجها، وهنا يلزم تدخل الدولة للدفع نحو زيادة الإنتاج في حال انخفاضه عن المستوى المطلوب اجتماعيا أو خفضه في حال زيادته على الحد المطلوب عندما يترتب عليه أضرار اجتماعية. القصد هنا أن للدولة دورا أساسيا في توجيه بعض القطاعات حتى وإن كانت تعمل داخل منظومة السوق. هناك أهداف جماعية وصورة كبيرة للاقتصاد الوطني لا يستطيع المنتجون كأفراد إدراكها بالكامل لأنه لا يقع ضمن اهتماماتهم التي تتركز على الحصول على أكبر عائد ممكن. هذا لا يعني أن المنتج لا يهتم بقراءة وضع الاقتصاد الكلي ولكن المقصود هنا أنه لا يملك سلطة التوجيه العام والتأثير في القرار الجماعي الذي يهم الجميع منتجين ومستهلكين، وبالتالي تنحصر اهتماماته في دائرة شؤونه الخاصة والبحث عن أفضل السبل للتقليل من التكلفة وزيادة العائد. ومع أن قدرة السوق للاستجابة للتغير في كمية الطلب بطيئة في بعض الحالات إلا أنها تظل أفضل بكثير من القطاع العام الذي يئن من وطأة الجمود البيروقراطي كما ذكرنا آنفا. إن أزمة نقص السلع في السوق وتبعا ارتفاع أسعارها هو بسبب تزايد الطلب بمعدل يفوق العرض فمعدلات الإنتاج لم تتغير لأنه لم يتم التحسب للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية والدولية وظلت على ذات المستوى وكأن الافتراض السائد أن الأشياء من حولنا ثابتة لا تتغير! إن القطاع العام والقطاع الخاص يتحملان وقوع مثل هذه الأزمات، والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق القطاع العام خاصة إذا كانت السلع من إنتاجه مباشرة مثل سلعتي الحديد والدقيق. فقد كان من الأجدر فتح باب الاستيراد والتخفيف من الأزمة في المدى القصير والعمل على زيادة الإنتاج في المدى الطويل. الأدهى والأمر حينما يكون الإنفاق السخي للدولة المتمثل في زيادة المشاريع التنموية أحد الأسباب الرئيسة لارتفاع الطلب على سلعة مثل الحديد، التي كان من المفترض أن يتحسب لها والإعداد لزيادة الإنتاج منذ زمن إذ إنه يستغرق وقتا ويتطلب جهدا كبيرا.
ونافلة القول إن الأزمات هي مؤشر واضح وصريح لغياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى والانشغال بالأنشطة الروتينية والمعاملات الورقية دون محاولة جادة في التطلع للأفق ورؤية القادم من المتغيرات والمستجدات، بل إن الأفضل هو إحداث التغيرات واستباق الزمن لإيجاد أوضاع تمكننا من السيطرة والتحكم في الأحداث قبل أن تقع الفأس في الرأس ونصيح بأعلى أصواتنا "هناك أزمة" لم نتحسب لها!