رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قطع "جرينسبان" قول كل خطيب!

[email protected]

أكد عليّ أخي صالح التركي رئيس الغرفة التجارية والصناعية في جدة حضور لقاء الإفطار المختصر على شرف رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي آلان جرينسبان، قبل موعد دخوله إلى قاعة منتدى جدة الاقتصادي. ولم يكن أخي صالح في حاجة إلى تأكيد ذلك لي، فقد كنت شديد الحرص على لقاء الضيف بالنظر لتخصصي ولمكانة الضيف المرموقة. وبالطبع كان من ضمن الحضور محافظ مؤسسة النقد حمد السياري ونائبه الدكتور محمد الجاسر وبعض رؤساء بنوكنا. وعلى مائدة الإفطار جرى الحديث بعيدا عن قدرتي على الاستماع، على الرغم من تلطف أخي رئيس الغرفة بدعوتي للاقتراب، ولكني رجوته أن يهتم بضيوفه، لأني من أهل الدار.
بعد دخولنا القاعة العامة بصحبة الضيف، قدم الأخ محمد الجاسر الضيف الكبير للحاضرين بكلمة ضافية رائعة وبأسلوب لغوي فصيح وأخاذ. وعند عودته إلى مقعده أثنيت عليه بإشارة من إبهامي، فداعبنا معاليه عندما طلب من أخينا صالح التركي أن يشهد على ذلك. وأنا صادق في إشادتي بكلمة معاليه الترحيبية، وهي إشادة لا تمنع اختلاف الاجتهاد بيننا حول سياسة سعر الصرف.
ثم أخذ مدير الحوار "الاستير ستيورت" محاورة الضيف عن آرائه حول وضع ومستقبل الاقتصاد الأمريكي وتأثير ذلك في الاقتصاد العالمي. ثم عرج بأسئلته للضيف عن رؤيته اقتصادنا. وقد كرر الضيف على ما سبق أن أكده كثير من ضيوف المنتدى السابقين من المختصين والمفكرين وقادة التجارب التنموية الناجحة، أن أمام اقتصادنا فرصة ثمينة لاستغلال عوائد النفط الضخمة في العمل الجاد والسريع على تطبيق استراتيجية فعالة لتغير هيكل اقتصادنا من اقتصاد ريعي يعتمد على استخراج وتصدير مادة النفط، إلى اقتصاد متنوع تتعدد فيه مصادر الدخل، مع التركيز في الوقت ذاته على التعليم.
والحق أنه بات ظاهرا لكل من ألقى السمع وهو شهيد، أننا إذا أردنا اللحاق ببقية دول العالم الناجحة، فعلينا الاهتمام الصادق والجاد بتطوير نظامنا التعليمي. فالتعليم مكمن وأصل وسبب تقدم أية أمة. إنه الأصل الذي يدوم، بينما الموارد الطبيعية قابلة للنضوب، أو لانحسار أهميتها! ولنا في تجارب نمور آسيا في العقود القليلة آية ونموذج.
ثم تحدث الضيف عن مسألة ربط عملتنا بالدولار وآثار ذلك في اقتصادنا، وبالذات فيما يتعلق بقدرتنا على تفعيل سياستنا النقدية في التعامل مع التقلبات الاقتصادية، كحالة التضخم الذي نعانيه الآن. وقد أسعدني أن جاء رأيه، الذي تناقلته وطريته وكالات الأنباء العالمية فورا، موافقا لما دعوت إليه منذ نحو عامين، من أن الوقت قد حان لإعادة النظر في علاقة عملتنا بالدولار الأمريكي لأسباب موضوعية صرفة. فالتضخم وفائض ميزان مدفوعاتنا، بجانب التغيرات الحقيقة في الظروف والعوامل والقوى الاقتصادية النسبية في العلاقات التجارية الدولية، تستدعي منا رفع سعر الريال أولا، ثم الاستعداد الجاد ثانيا، لوضع الترتيبات اللازمة لربط عملتنا بسلة من عملات الدول الصناعية الكبرى من خلال أوزان تتناسب مع حجم تجارتنا مع بقية المناطق التجارية الدولية.
ليس هناك أمر ثابت في هذه العلاقة. هناك سوابق على تغير العلاقة وفقا لتغير الظروف والقوى الاقتصادية. كان الدولار في وقت ما، يمنحنا القدرة على توليد أربعة ريالات ونصف مقابل كل دولار، حتى وصل إلى معدله الراهن 3.75 مقابل كل دولار.
إن ميزة إعادة النظر في سعر صرف الدولار، هي أن فوائده ستنعكس على الجميع تجارا ومستهلكين، مواطنين ومقيمين سواء كانوا في القطاعين العام أو الخاص. نحن لا ندعى أن تغير سعر الصرف فيه كل الحل لمشكلة غلاء الأسعار، ولكنه مع حزمة فعالة من السياسات الاقتصادية الأخرى، التي سبق أن تناولتها في مقالات سابقة، سيكون له أثر ملموس جدا.
لا داعي للخوف والتردد! في ظل نمو الطلب والعرض المحدود، لن تتراجع أسعار النفط إلى مستويات مخيفة. وليس من الصواب أن نسقط ظروف الماضي على الحاضر، إن المبالغة في التخوف من تكرار مأساة تراجع عوائد النفط، تقيد حركتنا في إدارة اقتصادنا. إن توفير بعض المليارات باتباع سياسات شديدة التحفظ، قد يكلفنا كمجتمع عشرات المليارات، إن لم نحسن تقدير الظروف!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي