إخصائيو التثقيف الصحي: أين هم, وما مؤهلاتهم؟
إن شراء المياه المعبأة من أطفال "الإشارات المرورية", أو السباحة في التجمعات المائية, أو ترك الخزانات المائية دون تغطية أو نظافة دورية... إلخ كل هذه مشاكل ما زالت تقع ومزلنا نراها ونسمع ونقرأ عنها في كل مكان وتتناقلها وسائل الإعلام المختلفة مما يؤكد أن هناك حملات توعوية بأساليب حديثة مختلفة لابد أن تبدأ وترسخ لتغيير مفاهيم أعجب فعلا من أنها لم تتلاش وتنته بعد!. هذا النوع من التوعية أو التثقيف ليس مقصورا على جهة بعينها في حقيقة الأمر, إلا أن التخصصية مهمة في كل الشؤون التنفيذية، كما أن الإعداد للبرامج لابد أن يكون تكامليا لإخراج نظم قوية أساسها متين وقابلة للتطوير لتركيبتها المرنة. في واقع الأمر أجد أن الأمور بدت أكثر تعقيدا أخيرا ولابد من التصدي لها بشكل شمولي ومتكامل من قبل جهات الاختصاص, فمثلا وجود بعض الكائنات الدقيقة التي تعيش في مياه كثير من المسابح أو "البرك" وخزانات المياه سواء داخل المدن أو في الأطراف أو في القرى يعني وجوب متابعة أكثر من جهة لتحقيق الإصحاح البيئي. ولتكون المناقشة علمية قد أبدأ في هذه المقالة بالحديث عن الطفيليات Parasites. هذه الكائنات نادرا ما تجتذب الباحثين البيولوجيين لدراستها أو تسليط الضوء عليها بشكل كبير من حيث أهميتها الصحية على البشر لذلك لا توجد أيضا إحصائيات توضح حجم المشكلة مما يستدعي الكتابة والحديث عنها باستفاضة من قبل المختصين.
لقد صدر في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) عام 2007م تقرير نقلته ونشرته وكالة "رويترز" لم أجد أي تعليق أو اقتباس له في وسائلنا الإعلامية لتحفيز من يمكن أن يعلق عليه بطريقة علمية لتعميم الفائدة, فقد كان التقرير عبارة عن نتائج أبحاث استغرقت شهورا طويلة في المختبرات المتخصصة في الولايات المتحدة، حيث تمكن الفريق القائم على البحث الخاص بدراسة المادة الوراثية لأحد الطفيليات من الحصول على نتائج إيجابية تؤكد قدم وجود هذا الطفيلي في الأرض. لقد وجدوا أن أحد الطفيليات التي تصاحب الأطفال وتسبب لهم المغص والإسهال وقد تكون ممرضة لدرجة كبيرة أصبحت تتواجد بشكل مقلق في مناطق من العالم حتى في المناطق الباردة إضافة إلى الكبار من محبي الطبيعة منذ فترة طويلة جدا. هذا الطفيلي المسمى (جيارديا/Giardia ) اعتبر أكثر الطفيليات انتشارا بين الأطفال في أمريكا حيث يتسبب في أكثر من 20 ألف إصابة مرضية كل عام. الفحوصات الوراثية التي أجريت في مختبر فحوصات الأحياء المائية في ماساشيوسيتز أظهرت أن هذا الطفيلي يمكن أن ترجع بداياته إلى ما قبل مليار (ألف مليون) عام من الزمن. هذا النوع من الطفيليات كأوليات حيوانية Protozoa له تركيب خلوي بسيط وعدد جينات أقل بكثير من مثيلاته. لم يكن هذا الدليل الوحيد الذي أوصل فريق العمل إلى هذه النتيجة بل إن تركيب المادة الوراثية أيضا بسيط ويفتقر إلى بعض التركيبات البروتينية. ولأن تركيبته البسيطة إحدى دلائل قدم وجوده فإن العلماء يحاولون الآن تعديل مسار الأبحاث لكشف أسرار جديدة لم تكتشف عنه أو عن أنواع عديدة مثله. يؤمل العلماء أن يصلوا بأبحاث علم الوراثة إلى فهم سلوكيات بعض الجراثيم الممرضة وإيجاد أدوية لها أو تطوير أساليب وقائية جديدة للحماية ضدها أو من تطور تكوينها في المستقبل. هذا الطفيلي قد لا يسبب لكثير من البالغين مشاكل صحية كبيرة ولكن للأطفال لم ولن يكون صديقا محببا خصوصا أنهم يجولون في كل مكان سواء في المنزل أو خارجه ويتناولون مما يليهم وما يلفت انتباههم لا ما يحتاجون إليه أو يناسبهم. قد أخص من الكبار بعض الوافدين القادمين من أقطار كثيفة الرطوبة أو التي أصابتها أمطار وسيول غزيرة خلطت أنواع المياه والمخلفات فعاشوا حياة صعبة وكيفوا أنفسهم على هذا الوضع وهم بيننا الآن سواء بغرض العمرة أو الحج أو قدموا للعمل. هذه الشريحة ستتزايد ويمكن أن تكون كلها أو بعض منها ناقلين لهذا الطفيلي، حيث يمكن أن يتواجدوا في أي مكان وتقع فريسة هذه الطفيليات الفئات العمرية الدنيا من الجنسين. أما عيادات الأطفال وطاولات غيارات الأطفال وعلى كثير من التواني المخصصة للرحلات غير المنظفة بطريقة جيدة والمخزنة بطريقة سيئة فيمكن أن تكون هدفا أيضا يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والمطلوب الاهتمام بمتابعتها صحيا.
كوسيلة يمكن أن نتجنب مشاكلها إذا ما حرصنا على تنظيف كل ما نود تناوله عبر الفم, وإذا ما اضطررنا إلى التداوي فإن هناك أدوية عديدة للتخلص منها, ولكن.. لأننا مازلنا نؤكد أن "الوقاية دائما خير من العلاج", فقد يكون للجهات المعنية مثل الهيئة العليا للسياحة, وزارة المياه, وزارة الصحة, الغرف التجارية في لجانها المتخصصة وبالتعاون مع وزارة الإعلام دور كبير في ذلك خصوصا وأننا نستقبل فصلي الربيع والصيف ونحتاج إلى أساليب محدثة للتثقيف الصحي المتخصص. لعل القائمين والمسؤولين كل في مجاله يعدون البرامج التوعوية المختلفة المناسبة حتى فيما يتعلق بأنواع الكائنات الدقيقة الأخرى مثل البكتيريا والفيروسات والفطريات ومن ثم يقررو معا آلية العمل لكل موقع ولكل موسم ولكل جيل ولجميع المناطق. والله الموفق.