دعم الأغنياء
يعتمد قطاع التعليم على الموارد البشرية، وتتوقف جودة التعليم في المقام الأول على مهارة وبراعة الكوادر التعليمية من معلمين ومعلمات. وقطاع التعليم في مختلف دول العالم قطاع خدمي ومن القطاعات الكثيفة الاستخدام للعمالة. وترتفع كثافة استخدام العمالة في المراحل الدراسية الأولية، ابتداءً من المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الثانوية. ويقوم رأس المال بدور مساعد في العملية التعليمية ولكن العنصر البشري هو المسير للعملية التعليمية وهو الذي يقف وراء جني القيمة المضافة في التعليم. وتتوزع القيمة المضافة في أي قطاع اقتصادي بين عوائد للعمالة (ممثلة بالأجور والبدلات) وعوائد رأس المال (الأرباح). وترتفع حصة الأجور من القيمة المضافة في القطاعات أو الصناعات كثيفة الاستخدام للعمالة، وقد تتجاوز حصة العمالة من القيمة المضافة 80 في المائة في بعض القطاعات الخدمية مثل التعليم. ونجد في معظم دول العالم، خصوصاً الدول المتقدمة أن النسبة العظمى من القيمة المضافة في قطاع التعليم تذهب كرواتب أو أجور وبدلات للمعلمين والمعلمات ومن يساعدهم من الإداريين والفنيين.
أما التعليم التجاري والذي يسمى عندنا بالتعليم الخاص فيدار بأسلوب الشركات الهادفة للربح والتي تستهدف خفض التكاليف لأدنى مستوى. وتتعمد المدارس الخاصة خفض الأجور ولو كان على حساب مستوى التعليم، فبدلاً من المحافظة على الكوادر التعليمية الجيدة التي ترفع من مستوى التعليم والتي تتوقع أجراً مقنعاً للبقاء في المدارس الخاصة نجد أن معظم هذه المدارس تضحي بأفضل كوادرها من أجل خفض طفيف في التكاليف. ونتيجةً لهذه السياسة تتقاضى الكوادر العاملة في المدارس الخاصة جزءا يسيراً من القيمة المضافة، بينما يتحصل ملاك المدارس على معظمها (في أغلب المدارس). وقد تنخفض الحصة التي يتلقاها المدرسون والمدرسات العاملون في المدارس الخاصة إلى مستوى متدن يصل إلى أقل من ربع القيمة المضافة. ويوجد العديد من الأمثلة الحية على تدني أجور وحصص المعلمين والمعلمات من القيمة المضافة في المدارس الخاصة، ومن هذه الأمثلة أحد أقسام المرحلة المتوسطة والثانوية (بنات) في إحدى المدارس في الرياض، حيث تتجاوز إيرادات هذا القسم ثلاثة ملايين ريال في السنة، يذهب أقل من 700 ألف ريال منها كرواتب للمدرسات والإداريات والعاملات في القسم (طبعاً لا وجود للبدلات والمكافآت)، وتستهلك المصروفات المتنوعة الأخرى أقل من 200 ألف ريال سنوياً، بينما يتحصل المالك على الباقي. وهو ما يعني أن حصة المدرسات وباقي العاملات في المدرسة من القيمة المضافة لا تتجاوز 25 في المائة، بينما يحصل المالك على 75 إلى 80 في المائة من القيمة المضافة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تتلقى المدرسة (المالك) دعماً من وزارة التربية والتعليم مقداره نحو 200 ألف ريال مما يرفع حصة المالك بعد (إضافة المعونة) إلى 85 في المائة من القيمة المضافة. ولا تقل الرسوم في هذه المدرسة عن عشرة آلاف للطالبة، ولو كان لانخفاض الأجور علاقة بمستويات الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة فقد يكون هناك بعض العذر، ولكن لا يوجد تقريباً أي تناسب بين الرسوم الدراسية ورواتب المعلمات. وإضافة إلى ذلك، يتمتع ملاك المدارس بميزة إضافية وهي إمكانية حصولهم على قروض حكومية مدعومة لبناء المدارس. ولا أدري أي منطق يقف وراء دعم أشخاص تتجاوز أرباحهم ملايين الريالات، بينما تحرم من الدعم معلمة تعمل لسنوات عديدة وفي أمس الحاجة إلى العمل ولا يتجاوز دخلها السنوي 20 ألف ريال. فهل هذا الدعم في محله أم ينبغي إعادة توجيهه إلى من هم في أشد الحاجة إليه؟
إن مستوى رواتب المعلمات في المدارس الخاصة متدن جداً، فالمعدل العام لرواتب المعلمات يبلغ نحو ألفي ريال ولعشرة أشهر فقط في السنة، وهذا يقل عن ثلث الناتج المحلي للفرد ويعد هذا المستوى من الأجور متدنياً في أي بلد من بلدان العالم، ويضع متلقيه في خانة الفقراء وخصوصاً إذا كانوا ممن يعيلون أسراً. وهذه المعدلات تسري تقريباً على جميع المدارس مهما كانت مستويات الرسوم التي تتحصلها تلك المدارس، ولا تتجاوز معدلات الرواتب في أفضل المدارس الخاصة في مدينة الرياض خمسة آلاف ريال في الشهر. وجاء انخفاض معدلات الأجور نتيجةً لاستغلال ملاك المدارس الخاصة لارتفاع معدلات البطالة بين النساء وقلة مجالات العمل المفتوحة للمرأة والتي تتركز بصورة أساسية في قطاع التعليم. وللحد من مطالب المعلمات برفع الأجور يتبع ملاك المدارس الخاصة استراتيجية التهديدات المستمرة بضرورة خفض عدد المدرسات، كما يلجأ الملاك (البعض منهن نساء) أحيانا إلى تقديم بعض الامتيازات إلى مديرات المدارس المعينات من قبل وزارة التربية التعليم وذلك للتغاضي عن تجاوزات المدارس ولمساعدة الملاك على الضغط على المعلمات.
ولرفع مستويات الأجر في المدارس الخاصة هناك ضرورة ملحة بتدخل رسمي. ويمكن أن تتبنى وزارة التربية والتعليم بعض السياسات. فتستطيع وزارة التعليم رفع رواتب المعلمات بصورة مباشرة من خلال إعادة توجيه المعونة المقدمة إلى الكوادر التعليمية بدلاً من المدارس. وبالإمكان أيضا زيادة المعونة لأنها تخدم العملية التعليمية، كما أنها تخفض من مستويات البطالة والفقر. حيث إن الكوادر التعليمية العاملة في المدارس الخاصة مدفوعة للقبول بمرتبات متدنية بسبب البطالة أو الفقر أو كليهما. كما أن على وزارة التربية والتعليم التشديد على منع تقديم أي مميزات إلى المديرات المعينات من قبل الوزارة وأن مثل تلك المميزات قد تعامل كنوع من أنواع الرشوة. كما ينبغي على الوزارة توجيه المديرات إلى ضرورة الاهتمام بمصالح المدرسات والعاملات الأخريات بالإضافة إلى المهام الأخرى الموكلة إليهن. وعلى وزارة العمل أيضا بذل جهود متزايدة لتطوير سياسات ووسائل رفع رواتب المعلمات والدفاع عن حقوقهن. وأخص النساء لأنهن أضعف من الرجال، حيث باستطاعة الرجال العمل في مجالات أوسع والفرص المتاحة لهم أفضل. ومن المتوقع أن يسهم تحديد حصص دنيا من القيمة المضافة في المدارس كمرتبات وأجور للعاملات في المدارس في رفع رواتب المعلمات، كما سيسهم في جذب المزيد من الكفاءات للتعليم الخاص ويرفع من مستوياته التي تعد في كثير من الأحيان متدنية. ومن وجهة نظري البحتة, يجب ألا تقل حصة العمالة في المدارس عن 60 في المائة من إجمالي القيمة المضافة.