عين فارغة!! (2 من 2)

[email protected]

كنا قد توقفنا عند تقدمي بطلب إخراجي لـ "الحوش" بسبب عدم قدرتي على الصمود أمام الألوان التي استخدمها صاحب المنزل لتعتيق جدران مجلسه. ولكني اضطررت نزولاً عند إصراره على الجلوس لشرب فنجان من القهوة، واشترطت أن يسمح لي بوضع النظارة الشمسية لمقاومة جحيم ألوان المجلس، وبدأت أستمع للأسباب.
يقول صديقي: "منذ فترة ليست بالقصيرة ونحن نحاول بيع هذا المنزل والانتقال إلى حي أقرب لمكان العمل، فالمشوار من المنزل إلى الدوام أصبح كابوساً لا يطاق. ولم نوفق كثيراً في الحصول على سعر يرضي تطلعاتنا ويسهم في توفير الجزء الأكبر من المبلغ اللازم لشراء منزل يصغر حجم هذا بكثير. واستشرنا فيمن استشرنا قريباً لنا له خبرة في عالم العقار، فقال "الحل عندي... عليك بتعتيق الجدران والجبس والأبواب والدرابزين... وليتك تعتق الثريات بعد!!"
ويكمل صديقي: "وفعلاً أخذت بنصيحة هذا القريب الخبير، وتعاقدت مع الأخ "ذويّق خان" بطريقة الـ "قطوعة" وبدأ الرجل يلطخ الجدران بألوان تجهر كل من حاول النظر إليها، وما إن انتهى من عمله حتى عدنا لعرض المنزل للبيع، ولم يمض أيام قليلة حتى ارتفع "السوم" بمقدار 10% ثم 20% وهكذا حتى بدأنا نطمع في زيادة بمقدار 40% وعندها سوف نتمكن من شراء المنزل الجديد دون أعباء مالية من ديون بنكية وغيرها"
القصة التي رواها صديقي هذا ليست خيالاً أو محض افتراء! فالعنصر النسائي متهم بالبحث عن بيوت ملونة بطريقة المعركة من الداخل والخارج. وهذا ما يجعل البيت الهادئ ذا الألوان المحايدة مكروها وممقوتاً وأنموذجاً للكساد. المشكلة في تعاطينا مع الألوان يمكن أن تنسحب على مناحٍ كثيرة في حياتنا. فإذا لون أحدهم منزله بألوان ملتهبة تبادر كل الحارة بالتلوين، وإذا اشترى أحدهم سيارة من نوع "كامري" بادر كل سكان الحي بشراء سيارة مثلها، وإذا غامر أحدهم وافتتح مشغلاً تسابقت المحال المجاورة على تحويل البقالات والحلاقين إلى مشاغل!!
في تصوري أن المشكلة الأكبر تكمن في استغلال البعض لتوجهات الناس المبنية على غريزة "التقليد" وفراغ العين العاجز عن اصطياد إمكانية التميز من خلال الاختلاف. فعندما ظهرت موضة التعتيق ارتفع سعر اليد العاملة إلى أكثر من الضعف مع أن الأخ الدهان لا يعرف من أصول التعتيق سوى التلطيخ! وارتفع بالتالي سعر العقارات "المعتقة" بنسبة وصلت في بعض الأحيان إلى 40 في المائة ... وكل هذا من أجل مجاراة قافلة التقليد!
العيون فارغة يا سادة يا كرام، والسواد الأعظم يبحثون عن ازدراد وابتلاع ما هو موجود أصلاً لكي لا يجهدون أنفسهم في السعي للتطوير مع أن خيار البقاء في المناطق المحايدة كان ولا يزال متاحاً باستمرار!!
هنا أود أن أهيب بأمانات المدن والبلديات بضرورة التدخل لمنع التعتيق ومعاقبة كل من تسول له نفسه استخدام ألوان كالأصفر والأحمر في الصالات وحجرات النوم. ولن أجد مثالاً أستحضره أفضل من معاناة أطفالنا من مشكلة الأرق المزمن ولجوء بعض الآباء والأمهات لضرب الأطفال المساكين دون أن يبحثوا عن السبب الحقيقي للمشكلة..
فغرفة نوم "نفنف" و "عيوش" مطلية باللون الأحمر المتأجج، ولا أدري كيف يمكن لأي طفل أن ينام في غرفة من سعير!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي