الانفجار النقدي في المملكة إلى أين؟
الحلقة الثانية
لقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن ظاهرة ارتفاع الأسعار في المملكة العربية السعودية وأشرنا إلى بعض الاختلالات والقوى المسببة لهذه الظاهرة التي تتصف بالتعدد والتنوع شأنها في ذلك شأن الآثار الاقتصادية والاجتماعية - حديثنا لهذا الأسبوع - التي برزت نتيجة لتلك الحالة. ورغم إلمامنا بتعدد وتفرع الآثار المترتبة على الاقتصاد بشكل عام وعلى المواطن السعودي بشكل خاص، إلا أن المجال لا يتسع هنا في هذه الزاوية المحدودة سوى لانتقاء عدد محدود من الآثار التي نعتقد أن صلتها بطبيعة العملية التضخمية الحادثة اليوم في الاقتصاد السعودي صلة وثيقة وقوية.
من المعلوم أن المجتمع السعودي يتكون من شرائح مختلفة فيما يتعلق بدخلها الشهري أو السنوي، وأن هذا الدخل يتغير سنويا بمعدلات تقل أحيانا أو تزيد في أحيان أخرى عن التغير الحادث في أسعار السلع والخدمات التي تحتاج إليها هذه الشريحة أو تلك. والقاعدة العامة هي أن الشريحة التي يتغير دخلها السنوي بمعدلات لا تجاري التغير الحادث في حركة الأسعار سوف تعاني كثيرا وسوف تواجه تآكلا حقيقيا لدخلها. أما الشريحة التي يتسم دخلها بالارتفاع الشديد الذي يفوق الارتفاع في الأسعار فإنها في وضع اقتصادي جيد كلما اشتدت موجات التضخم. وإذا حاولنا أن نستشف واقع المواطن السعودي وفقا لهذه القاعدة فسوف نجد أن التضخم أضر ضررا بالغا بالشريحة الأولى ذات الدخول المنخفضة وساهم بشكل كبير في امتصاص ما تملكه هذه الطبقة من نقود ومن ثم تحويلها إلى الطبقة ذات الدخل المرتفع. هذا الاتجاه العام والطبيعي نحو توزيع الدخول بين الطبقات المختلفة في المجتمع السعودي وما يترتب عنه من آثار اجتماعية واقتصادية هو مصدر قلقنا وهو ما يشغل بالنا. ولنأخذ مثالا عمليا من واقعنا المعاش اليوم والمتعلق بالأسعار المرتفعة مثلا في أثمان الأراضي والعقارات في الأشهر والأسابيع القليلة الماضية التي ما زالت مستمرة في الارتفاع إلى يومنا هذا.
إن الأراضي والعقارات لدى كثير من الناس تعد من أهم الأوعية الادخارية التي يمكن الاعتماد عليها عند حدوث ارتفاعات سريعة ومفاجئة في الأسعار مثلها في ذلك مثل الذهب, ولا سيما في غياب رؤية تنموية بعيدة المدى للاقتصاد السعودي. والسبب في اتجاه الأفراد لهذا النوع من الاستثمار هو القناعة بارتفاع أسعار هذه العقارات بمعدلات تفوق الزيادة التي من الممكن حدوثها على أسعار السلع والخدمات, إلى جانب التوقع بانخفاض القوة الشرائية للأرصدة النقدية. وهذا بالضبط ما حصل ويحصل في الاقتصاد السعودي اليوم, حيث ازدادت حدة المضاربة بين الأفراد حول اقتناء الأصول العقارية بغض النظر عما تحققه هذه الأصول من إيجارات سنوية. وبهذا النوع من المضاربة تتم إعادة توزيع الثروة فيما بين شرائح وطبقات المجتمع بطريقة جديدة. ولنأخذ على سبيل المثال التغير الذي حدث في أسعار الأراضي في مدينة الرياض حيث ارتفع سعر المتر المربع في أحد الشوارع الرئيسة من ثمانية آلاف ريال للمتر المربع إلى 40 ألف ريال خلال مدة لا تتجاوز السنة. أي أن من كان يملك 25 مترا مربعا قبل سنة استطاع أن يحقق زيادة كبيرة في مستوى دخله وثروته وأن يصبح الآن مليونيرا بسبب هذا الارتفاع. بالمقابل تشتد وطأة ارتفاع الأسعار على الشريحة الأخرى من ذوي الدخول الثابتة من موظفين حكوميين وعمال وأصحاب الرواتب الشهرية, الأمر الذي نتج عنه وسينتج عنه بشكل أكثر وضوحا تغيير في المراكز النسبية للطبقات الاجتماعية والاقتصادية وقد يؤدي إلى إيجاد شرائح مجتمعية إضافية فقيرة. وإذا ما تزامن ارتفاع أسعار الأراضي مع الارتفاع في نفقات المعيشة وخاصة في مجالات التعليم والإسكان والطاقة والمواد الغذائية والاستهلاكية فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من التدهور والمعاناة للطبقات المتوسطة والفقيرة، وتصبح العملية وكأنها حالة من القمار يكسب فيها من يكسب ويعاني فيها من يعاني، كل ذلك على حساب تطور المجتمع ونموه.
إن استمرار الارتفاع في الأسعار على ما هو عليه لفترة زمنية أطول سيؤدي إلى تمايز حقيقي في البناء الطبقي للمجتمع، وقد يؤدي أيضا إلى تآكل الطبقة الاقتصادية الوسطى في المجتمع وينقسم المجتمع بذلك إلى طبقتين اثنتين, طبقة ثرية بل فاحشة الثراء استفادت فائدة جمة وازدادت ثراء وتتمتع بوضع اقتصادي مزدهر ويمثلها الأثرياء المسيطرون على رؤوس الأموال, وأصحاب الحيازات الكبيرة ووكلاء الشركات وأصحاب الامتيازات الخاصة والسماسرة والوسطاء والمقاولون، وطبقة أخرى فقيرة أصبحت تنظر إلى نفق لا ضوء فيه تلامس بشكل يومي الوجه المباشر للتضخم, وهي الأكثر ويمثلها أصحاب الدخول الثابتة كموظفي الحكومة والخدمة المدنية والتكنوقراط المتعلمين تعليما عاليا العاملين في القطاع العام. ونظرا إلى أن الطبقة الثانية هي الأكبر والأكثر انتشارا فإن ما تعيشه من صعوبات وأوضاع مالية متدهورة بسبب التضخم، قد يساهم في حدوث شرخ اختلالات اجتماعية متنوعة تهدد المجتمع وتزيد من همومه الشائكة وتخلق نوعا من الاضطراب الشديد والتدهور في قيم المجتمع. من ذلك انتشار النفاق الوظيفي والرشوة والفساد الإداري ليصبح قاعدة عامة يمكن قبولها في المجتمع بذريعة التناقص المطرد لقيمة النقود والشعور بالمرارة بسبب عدم قدرة الكثير من هؤلاء الموظفين على توفير احتياجاتهم المعيشية. لقد سمعنا الكثير عن موظفين يستغلون مواقعهم الوظيفية من أجل الحصول على موارد إضافية عن طريق الرشا والهدايا التي تقدم إليهم من المراجعين وأصحاب المصالح والتي يتناسب مقدارها طرديا مع حجم المساعدات والخروقات القانونية التي يقومون بها. نعم إن ارتفاع الأسعار سيدفع بالطبقة الفقيرة للعيش في مآزق أخلاقية واجتماعية ونفسية معقدة, حيث إن عجزهم عن توفير متطلباتهم ومتطلبات عائلاتهم اليومية يدفع بهم للبحث عن طرق أخرى لرفع مستوى دخولهم سواء بالعمل في أكثر من مهنة أو بالانجراف نحو الكسب غير المشروع.
كما أن التضخم يخلق بيئة غير مشجعة للاستثمار النوعي ذي القيمة الإنتاجية المضافة سواء من قبل المستثمر المحلي أو الأجنبي، وبالتالي تنحصر فرص العمل وتزداد نسب البطالة التي هي أصلا مرتفعة في المملكة حيث وصلت بحسب بعض الإحصاءات إلى 30 في المائة. لا شك أن العلاقة بين التضخم والبطالة بشكل عام علاقة يشوبها الكثير من الاختلاف في وجهات النظر بين المختصين، فهناك من يعتقد أن تخفيض نسبة البطالة لا بد أن يصاحبه ارتفاع في مستوى الأسعار، وهذا - وإن اتفقنا معه جدلا - فهو لا ينطبق على المملكة ولا يتماشى مع الواقع الذي نعيشه، المتمثل في سيطرة العمالة الأجنبية على سوق العمل السعودي. أن الكثير يستطيع أن يلاحظ هذه الأيام الارتفاع الكبير والمستمر في أجور العمالة الأجنبية بمختلف أنواعها، بالمقابل هناك تمسك شديد من قبل القطاع الخاص وعدم رغبة في الحديث عن زيادة أجور العمالة السعودية أو وضع حد أدنى للأجر يتناسب واحتياجات العامل السعودي المعيشية، ناهيك عن عدم الرغبة أصلا من قبل أرباب العمل في المملكة في تعيين العامل السعودي بحجة عدم كفاءته وانخفاض مستوى تأهيله. إذا ارتفاع الأسعار وارتفاع تكاليف أجور العمالة أمر ليس ذا علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمعدل البطالة في السعودية أو ارتفاع الأجور التي يتحصل عليها العامل السعودي، بل على العكس من ذلك، حيث إن ارتفاع مستوى الأسعار ساهم في خلق صعوبات إضافية بالنسبة للعامل السعودي بسبب معدلات الأجور المتدنية التي يحصل عليها والتي لا تتناسب وارتفاع الأسعار ولا تضمن له كرامة العيش في المجتمع الذي يعيش فيه.
هذه هي بعض الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ظاهرة ارتفاع الأسعار، ويبقى لنا في حلقة مقبلة بمشيئة الله تعالى، إلقاء الضوء على أهم السياسات والإجراءات الاقتصادية التي يمكن تقديمها لمواجهة ظاهرة ارتفاع الأسعار.