الأعمال الخيرية.. هذا المجال من أفضلها!
زادت في السنوات الأخيرة نسبة الإصابة ببعض الأمراض، ولوحظ ارتباط ذلك بالتقدم العلمي والتقني، وطغيان الماديات، والابتعاد عن الطبيعة في كل ما يتصل بالحياة، فقد انتشرت أمراض لم تكن معروفة، وزاد تكدس الناس في المستشفيات والمراكز الطبية، ولم تعد، على كثرتها، كافية لاستيعاب المرضى، فضلا عن تزايد تكاليف العلاج، إلى درجة تحول معها التأمين على الصحة من التغطية الشاملة، إلى التغطية الجزئية!
وتأتي أمراض السرطان في مقدمة ما أصبح يعرف بأمراض العصر، أو ما يسمى بالمرض الخبيث، وهذه التسمية الأخيرة، الملازمة له، لم تأت من فراغ، لأن هذا المرض يتسم بالخبث في التخفي والتسلل بصمت، وصعوبة الاكتشاف، وسرعة الانتشار، ثم صعوبة العلاج وارتفاع التكلفة. ومع أن أسباب هذا المرض المباشرة، فيما عدا التدخين، غير معروفة، إلا أن هناك مؤثرات تساعد على تعرض البشر للإصابة به، ومنها أسلوب الحياة، والنظام الغذائي، والتعرض للمواد المسرطنة، إلى جانب العامل الوراثي.
والغريب أن هذا المرض ينتقي ضحاياه بصورة عشوائية، لا يفرق بين رجل وامرأة، أو كبير وصغير، ولا يوجد دليل على أن شخصا بعينه يمكن أن يصاب بالمرض، في حين قد يكون مصابا به فعلا، وربما يستوطن جسم الشخص سنوات دون أن يدري، لعدم وجود أعراض حسية أو حتى معنوية ظاهرة عليه! وكثيرا ما تصدمنا المفاجأة السيئة عندما نسمع أن أحد الأصدقاء أو الأقارب الذين يعيشون بيننا في صحة تامة، قد أصيب بالمرض، ونستاء أكثر عندما نعلم أن اكتشافه تم في مرحلة متأخرة، بعد أن تفشى المرض، ووصل إلى مرحلة قد لا يفيد معها العلاج، وفي هذه الحالة فإن تأثير المرض لا يقتصر على المريض ذاته، بل يتعداه إلى جميع أفراد أسرته، حيث يقاسون أشد أنواع المعاناة النفسية والمعنوية، وربما الجسدية، وتزداد هذه المعاناة مع تقدم المرض، ويقف الكل عاجزا عن تقديم شيء للمريض لتخفيف معاناته، بما في ذلك الجهة التي تتولى معالجته، حين تكون قد استنفدت كل ما لديها لمساعدته، إلى أن يأتي اليوم الذي يترحم فيه الجميع على المريض، ويودعونه إلى مثواه!
وحتى لا تصل الأمور إلى هذا الحد مع أي مريض، تأتي أهمية الكشف المبكر للتأكد من خلو الجسم من أي إصابة، كما تأتي أهمية التوعية والتثقيف بما يحيط بهذا المرض من غموض، وأنواعه، والأعضاء التي قد تكون معرضة للإصابة به أكثر من غيرها! ومن أجل هذا أنشئت، بجهود خيرة، الجمعية السعودية الخيرية لمكافحة السرطان، التي يأتي في مقدمة أهدافها دعم برامج الكشف المبكر، وتشجيع البحوث الهادفة إلى معرفة مسببات المرض، ودعم برامج التوعية والوقاية والتشخيص والعلاج، إلى جانب الدعم المادي واللوجستي، ويأتي إنشاؤها في وقت يتزايد فيه اكتشاف الإصابة بالمزيد من الحالات، إذ تشير معلومات الجمعية المنشورة في مطوياتها إلى أنه يصاب بهذا المرض في المملكة كل عام أكثر من ثمانية آلاف شخص، وأن نصف هذا العدد لا يصل إلى المراكز المتخصصة للكشف والعلاج! وأن نسبة 26 في المائة فقط، هم الذين يراجعون في مرحلة مبكرة، في حين أن نسبة 40 في المائة من حالات المرض يمكن الوقاية منها بالكشف المبكر، وخاصة الإصابات التي يسببها التدخين، الذي يزيد انتشاره في المجتمع، خاصة بين الشباب والفتيات!
ومن ثمرات قيام الجمعية السعودية الخيرية لمكافحة السرطان إنشاء مركز عبد اللطيف للكشف المبكر في الرياض، الذي يعد أول مركز للكشف المبكر عن السرطان في المملكة! يقدم خدماته مجانا! وقد تبرع به رجل الأعمال الشيخ عبد اللطيف العبد اللطيف، بما في ذلك التكفل بجميع نفقاته التشغيلية، تحت إشراف الجمعية، وهذا المركز يهتم بالكشف المبكر لأنواع معينة من السرطان تكثر الإصابة بها في المجتمع المحلي، مثل سرطان الثدي في الدرجة الأولى، لارتفاع نسبة الإصابة به، ثم سرطان عنق الرحم، وسرطان القولون والبروستاتا. ويضم المركز عيادات متخصصة للرجال والنساء، والتثقيف الصحي، إلى جانب الأجهزة والمرافق الأخرى.
وفي زيارة لي أعقبت معرفتي بوجود المركز، قابلت مديره الدكتور يوسف بن أحمد الجهيمي الذي تحدث لي عن زيادة الإقبال على المركز، خاصة من النساء اللاتي يرغبن في الكشف عن سرطان الثدي، وأن المركز اكتشف أن هذا المرض "سرطان الثدي" ينتشر في المملكة بشكل مقلق يفوق المعدل العالمي المعروف، وهو ما يلقي عبئا كبيرا على المركز لمواجهة الإقبال المتزايد عليه، ويزيد من أهمية الجهود التي تبذلها الجمعية في مجال التوعية والدعم والمساندة.
وبعد: هذا مثال من أمثلة أعمال البر التي لا تحصى، ويصل أثرها إلى الناس مباشرة ويلمسون فضلها وفضل من تبرع بها، ويدعون له بما يكافئها من المثوبة والأجر من الله، فضلا عن أنه يخلد اسمه ويرفع من سمعته وقيمته في مجتمعه، سواء في حياته أو بعد مماته! وحيث إن هذه التجربة تعد رائدة في مجالها، ولا تزال المدن الأخرى في المملكة في حاجة ماسة إلى مثل هذه المراكز، فإن الدعوة موجهة إلى القادرين من رجال الأعمال وغيرهم من الأثرياء إلى إنشاء مراكز مماثلة لهذه الأمراض، أو الأمراض الأخرى التي يعانيها الكثيرون، ممن تضيق بهم المستشفيات الحكومية، ولا يستطيعون مواجهة تكاليف العلاج الباهظة في المستشفيات الأخرى، والأمثلة كثيرة، ومجالات البر في هذا المجال وغيره واسعة، فها هم مرضى الفشل الكلوي يزدادون، ويتزاحمون على مراكز الغسيل والرعاية، ومثلهم في هذا مرضى السكري، الذين يمثلون نسبة كبيرة من السكان، ويحتاجون إلى العناية والرعاية المستمرتين، تأسيسا على أن هذا المرض يزداد المصابون به سنويا، ويلازم المريض طيلة حياته، وتخسر البلاد بسببه ثروة هائلة، لا تقتصر على ما ينفق على العلاج، بل تتعداه إلى توقف العمل والإنتاج لفئة كبيرة من المصابين، وخسارة المجتمع جهود فئة كبيرة من أبنائه!
ومع أن الدولة تتكفل بعلاج هذه الأمراض وغيرها دون مقابل، سواء داخل المملكة، أو إذا تطلب الأمر خارجها، إلا أن كثرة المصابين، وتزاحمهم على مراكز العلاج يقلل من فرص الوقاية والمبادرة إلى الكشف والعلاج في مرحلة مبكرة.
وقانا الله جميعا شرور الأمراض، وندعوه أن يكون في عون المصابين، ويعينهم على تحمل المعاناة، ويمنحهم الشفاء التام، وأن يجزي كل محسن ومتبرع مهما تكن مساهمته، بما وعد به عباده الصالحين من الأجر والمثوبة.
والله من وراء القصد