التحدي المقبل لاقتصادات الشرق الأوسط: الانفتاح على الأسواق العالمية
قال تقرير صادر عن البنك الدولي إن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (المينا) ستواجه خلال العقدين المقبلين مستوى غير مسبوق من التحديات في أسواق العمل. ففي عام 2005 بلغ إجمالي عدد القوة العاملة في المنطقة 126 مليون شخص، ويتوقّع لهذا الرقم أن يرتفع ليصبح 146 مليوناً في عام 2010، و185 مليونا في عام 2020. معنى ذلك أنّه يتعيّن على اقتصادات المنطقة توفير 80 مليون فرصة عمل جديدة خلال العقدين المقبلين. ومع معدّل البطالة البالغ الآن نحو 11 في المائة، يبدو أنّ الهدف الأكثر طموحاً، المتمثّل في استيعاب الأعداد العاطلة عن العمل فضلاً عن إيجاد الفرص لتوظيف الوافدين الجدد إلى سوق العمل، يعني الحاجة إلى خلق ما يقارب 100 مليون فرصة عمل مع حلول عام 2020، أي مضاعفة مستوى التوظيف الحالي على امتداد العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين.
وأضاف التقرير أنه ما بين عام 2000 وعام 2005، هبط معدل البطالة الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من 14.3 في المائة إلى 11 في المائة من القوى العاملة، ما أدى إلى ضيق الفجوة بين هذه المنطقة ومناطق دول العالم النامية الأخرى. وفي ضوء التوسع الهائل للقوى العاملة، يعد انخفاض البطالة إنجازاً مرموقاً في هذه الفترة القصيرة ولكن ليست كل الأخبار من النوع الجيد. فعلى الرغم من هبوط معدلات البطالة في ثمان من اثنتي عشرة دولة تتوافر عنها بيانات، إلا أنها ظلت على حالها في الأردن، وهي آخذة في الارتفاع في الكويت والإمارات، ولو من مستويات منخفضة جداً، كما أن عدم الاستقرار السياسي أدى إلى زيادة معدلات البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهما مع العراق تشهد أشد مشكلة بطالة في هذه المنطقة.
النمو الاقتصادي
من جهة أخرى، يقول التقرير إن ازدياد معدلات النمو الاقتصادي أدى إلى خلق العديد من فرص العمل الجديدة. ويعد هبوط معدلات البطالة وسط ازدياد معدلات نمو القوى العاملة دليلاً على ارتفاع معدلات خلق فرص العمل الجديدة، التي بلغت 4.5 في المائة سنوياً في الفترة 2000 – 2005، وهو أعلى معدل بين جميع مناطق الدول النامية على الصعيد العالمي. فكل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاثنتي عشرة التي تتوافر عنها البيانات شهدت في السنوات الأخيرة ارتفاع معدلات نمو فرص العمل الجديدة - وكان ذلك النمو كبيراً في معظم تلك الدول، وتقع الدول الفقيرة بالموارد في أدنى درجات سلم خلق فرص العمل الجديدة، أما الدول الغنية بالموارد فتقع في أعلى درجات ذلك السلم، كما هبطت فروقات معدلات البطالة بين الجنسين. غير أن الشباب - النسبة الأقل من فئات العاملين - لم يواكب التقدم الذي أحرزته الفئات العمرية الأخرى. وعلى الرغم من قوة نمو فرص العمل الجديدة، مازالت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا تستخدم سوى نسبة صغيرة من قواها العاملة الممكنة. فمعدل العمالة في هذه المنطقة - أي نسبة العاملين فعلاً من بين من هم في سن العمل من السكان - لا تبلغ سوى 47 في المائة وهي أدنى نسبة على صعيد العالم.
كما أنّ الضغوط التي يشكّلها الشباب في نموّ القوّة العاملة ظلّت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أشدّ ضغطا ذكوراً وإناثاً. فمشاركة الإناث في العمل منذ الثمانينيات تشكّل، على وجه الخصوص، أحد أهمّ التطوّرات المؤثّرة في حجم عرض العمالة في المنطقة. ولا يقتصر الأمر على دخول شباب من الجنسين بأعداد كبيرة لأسواق العمل. فهؤلاء هم، فضلاً عن ذلك، أكثر تعليما بشكل متزايد نتيجة حرص حكومات المنطقة على تخصيص موارد مالية كبيرة للإنفاق على تراكم رأس المال البشري.
ولكن ما خصائص فرص العمل الجديدة في هذه المنطقة؟ حول هذا الموضوع يقول التقرير إن الزخم الجديد الذي شهدناه على فرص الاستثمار الجديدة لم يغير بعض الخصائص التقليدية لفرص العمل في هذه المنطقة، فمرونة العمالة elasticity على سبيل المثال ما زالت غالية، ما يدل على أن معدلات نمو إنتاجية اليد العاملة ما زالت منخفضة. ومن جهة أخرى، أخذ الطلب على اليد العاملة في القطاع العام يتباطأ، وأصبح يتم في القطاع الخاص خلق معظم فرص العمل الجديدة، وبصورة رئيسية في قطاع الخدمات. ومع أن قطاع الخدمات يتيح أكثر فرص العمل الجديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما زال قطاع الزراعة يسهم بدور مهم، ففي إيران، على سبيل المثال، قام قطاع الزراعة بخلق نصف فرص العمل الجديدة في الفترة الأخيرة، بينما أتاح في مصر والمغرب خُمسيْن اثنين وفي الجزائر خمساً واحداً. ويمكن إرجاع التوسع السريع في عمالة النساء في هذه الدول إلى توسع العمالة في قطاع الزراعة وقطاع الخدمات منخفضة المهارات (في الجزائر)، ما يعني أن النساء لا يحصلن حقيقة على فرص العمل الجيدة.
نمو العمالة
وعلى الرغم من العلاقة السلبية بصورة عامة بين معدلات نمو العمالة ومعدلات نمو الإنتاجية في هذه المنطقة، هنالك عدة دول تقوم بخلق فرص عمل جديدة في قطاعات تشهد ازديادا في الإنتاجية أيضاً. فالتوسع في خلق فرص العمل في قطاعات الخدمات - وبدرجة محدودة في قطاع الصناعة - ترافق مع بعض الزيادة في الإنتاجية في بعض الدول. ولكن هنالك العديد من حالات خلق فرص عمل ترافق مع هبوط الإنتاجية، ولا سيما في الدول التي شهدت أعلى معدلات نمو فرص العمل الجديدة، فقطاعات الزراعة في كل من إيران، مصر، والجزائر شهدت جميعها هبوطاً في الإنتاجية مع ازدياد العمالة فيها.
ويضف التقرير أن خلق فرص العمل الجديدة سيبقى من بين الأولويات في المستقبل المتطور بالنسبة لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فما المطلوب للتحدي الماثل في خلق العمالة؟ يجب أن تأتي الغالبية العظمى من فرص العمل اللازمة من داخل اقتصادات هذه المنطقة. ولكي تتحول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نمط قوامه النمو العالي في خلق فرص العمل الجديدة الذي يعززه ازدياد الإنتاجية، من الضروري أن تظل معدلات النمو الاقتصادي قوية وأن تزداد أيضاً. وعادة يشير ارتفاع مرونة العمالة elasticity في هذه المنطقة إلى قوة عملية خلق فرص العمل الجديدة في أوقات النمو الاقتصادي السريع، ولكن حسبما أشرنا أعلاه، فإن معظم فرص العمل الجديدة ظهرت في أنشطة منخفضة الإنتاجية. أي أن هذه المنطقة تعاني من مأزق كمية فرص العمل مقابل نوعية فرص العمل.
فرص العمل
ويؤكد التقرير أنّ مواجهة تحدّي خلق فرص العمل يتطلّب مدخلاً شاملاً للإصلاح على الرغم من أنّ تحديد الأولويات وتسلسل السياسات الإصلاحية يختلف من بلد إلى آخر في ضوء أوضاعه الأساسية الخاصّة، بما في ذلك نصيبه من الثروات الطبيعية، ودرجة تقدّم الإصلاحات المحققّة فيه، ونوعية مؤسساته. إنّ الحاجة إلى طريقة شاملة للإصلاح لا تقلّل من قيمة التدرّج في تنفيذ برامج الإصلاح، كما أنّها لا تقلل من اعتبار أهمّية تسلسل الإصلاحات بالطرق التي ترفع توقّعات النجاح إلى الحدّ الأعلى. ولكنّها تكيّف النظرة إلى ما تستدعيه الحاجة لإحياء الفرص الاقتصادية ولتأمين الحياة الكريمة لسكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إنّ هذه المنطقة تتطلّب تحوّلاً على صعيدٍ واسع في سياساتها الاقتصادية لتعزيز الدوافع الجوهرية للنموّ الاقتصادي، ولخلق تطلّعات قابلة للتحقيق من حيث إيجاد فرص العمل لاستيعاب عشرات الملايين من الرجال والنساء الذين سينضمّون خلال العقدين المقبلين إلى القوى العاملة.
إنّ إصلاح الإطار المؤسّسي والتنظيمي يساهم في جعل أسواق العمل تؤدّي دورها بطريقة أفضل. إنّ السياسات التي يجري اقتراحها بهدف رفع الضغوط القائمة وتحقيق نتائج أفضل يجب أن تعالج عدم المرونة الذي يطبع الهياكل، بما في ذلك دور الدولة كمصدر للتوظيف والقائم على تنظيم سوق العمل. ومن أجل أن تصبح هذه السياسات فاعلة وقابلة للاستمرار، ينبغي أن يعاد النظر في الحوافز بما يجعلها تُوجّه العمل إلى القطاع الخاص، بحيث تصبح معتمدة على اعتبارات العرض والطلب معاً. إنّ قائمة هذه السياسات تراوح ما بين التناقص الطبيعي لأعداد الموظفين وتجميد الأجور، إلى إدخال تعديلات مهمّة على الأجور أو تقليص المزايا، وإلى إجراء تخفيضات مباشرة في النفقات من خلال تسريح العمال. وإنّ اتّباع إجراءات أكثر مرونةً في التوظيف والتسريح من العمل هو من أهمّ قضايا السياسات ذات الصلة بإصلاح نظم العمل المؤثّرة في القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
تحولات جوهرية
ويخلص هذا التقرير إلى أنّه ينبغي على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تتعامل، من أجل تسريع عملية خلق فرص العمالة والنموّ، مع جملة من التحدّيات القائمة منذ زمن على صعيد السياسات والمؤسسات من أجل استكمال ثلاثة تحوّلات جوهرية ومترابطة في اقتصاداتها. الأول هو التحول من هيمنة القطاع العام إلى القطاع الخاص عبر إزالة العوائق أمام النشاط الخاص، مع وضع أطر تنظيمية تحقّق التوافق والتعاضد بين المصالح الخاصّة والعامّة. والثاني هو التحول من الانغلاق إلى الاندماج من خلال تسهيل عملية الاندماج مع الأسواق العالمية مع وضع الضمانات للاستقرار المالي والرعاية الاجتماعية. والثالث هو التحول من اقتصاد متقلب معتمد على النفط إلى آخر مستقر ومتنوع من خلال استحداث تغييرات جوهرية في المؤسسات التي تقوم بإدارة الثروة النفطية وتحويلها باتجاه الأطراف الاقتصادية الفاعلة.