من المسؤول عن تدني مستوى استراحات الطرق؟
السياحة قطاع اقتصادي يدر الكثير من الأموال على الاقتصاد الوطني إذا ما تم التهيئة له، ووجد المناخ المناسب، إلا أن نجاحه مرهون بالوعي الاجتماعي على مستوى الأفراد والمستوى الرسمي. ولأن السياحة نشاط جماعي أي يستلزم تعاون الجميع دون استثناء لإنجاحه خاصة الأجهزة الحكومية وفق رؤية مشتركة ينصهر فيها الجميع لتحقيق بيئة جاذبة للسياح والاستثمار السياحي. ولذا كان من المهم فهم السياحة من منظورها الواسع الأشمل من حيث إنها صناعة جماعية يشارك فيها جميع مكونات المجتمع المحلي، وبالتالي يكون مردودها على الجميع. هذه النظرة الشمولية لقطاع السياحة الذي يتداخل فيه جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية أساس في تحقيق إنجاز وطني ووضع السعودية على خريطة السياحة العالمية. والحقيقة أن الهيئة العليا للسياحة في اعتمادها على الشفافية والمشاركة واللامركزية تكون قد خطت خطوات كبيرة على الطريق الصحيح. فعندما تستمع إلى أمينها الأمير سلطان بن سلمان وهو يتحدث عن رؤية وفلسفة الهيئة وأنها ترتكز على العمل المشترك وإيمانه أن العمل الجماعي والتعاون هما السبيل الوحيد لإنجاح المشروع الوطني تعلم أن قطاع السياحة يبنى على أرضية صلبة وقيم ومبادئ ورؤى تقوده نحو الاتجاه الصحيح. الإشكالية هي أن هذا التوجه يتطلب إعادة تثقيف اجتماعي وإحداث تغيير إداري، وهي في واقع الأمر تحديات كبيرة تستغرق زمنا طويلا وتحتاج إلى القبول والخروج عن المألوف. إن قطاع السياحة يعتمد في المقام الأول على الإبداع والابتكار والبحث الدائم عن الأفضل والجديد، وهذا قد لا يتفق مع حال الوضع الإداري الذي يعتمد على التنظيم البيروقراطي الذي يتصف بالثبات والجمود وهرمية السلطة والتحوصل والإغراق في الإجراءات الداخلية وعدم القدرة على استيعاب المتغيرات والاستجابة لها. إن هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الهيئة العليا للسياحة لأن القوم لا يتحدثون اللغة الإدارية نفسها فمعظم الأجهزة الإدارية الحكومية اعتادت عدم الربط بين الأداء والنتيجة وأصبح الهم هو تطبيق الإجراءات وحسب دون التوقف والتساؤل ماذا عسى هذه الإجراءات أن تجدي؟! وفي التنظيم البيروقراطي يتشرب العاملون الإجراءات وتصبح جزءا من ذواتهم ومن منظومة القيم الداخلية لهم، وبالتالي يرون المصلحة العامة من خلالها ولا غير. إن الإجراءات الإدارية والقانونية وضعت في المقام الأول لتحقق المصلحة العامة ومتى ما رؤي أن تعديلها أو نقلها لأجهزة أخرى يحقق مصلحة أكبر كان من الواجب المسارعة لذلك. لكن هيهات أن يتنازل البيروقراطيون عن صلاحياتهم وسلطاتهم، فالمسألة بالنسبة لهم تعني الهوية التنظيمية وتدخل في جوهر كينونتهم. إن هناك الكثير من المشاهدات السلبية التي هي إفراز لهذا الوضع الإداري المتأزم المتشرذم والتنظيمات المنكفئة على حالها، والتي تحول فيها مصلحة الجهاز الإداري عن رؤية المصلحة العامة. هذا هو التحدي الكبير لقطاع السياحة ولن نستطيع الانطلاق وتحقيق إنجاز دون التحول إلى نظم إدارية أكثر مرونة واستجابة للمستجدات. إن السبيل الوحيد للنجاح في المشروع السياحي هو منح الهيئة العليا دورا أكبر وصلاحيات تمكنها من التنسيق وعمل ما يجب عمله في قضايا وموضوعات ملحة ومهمة. على سبيل المثال استراحات الطرق ظلت ردحا من الزمان تعاني سوء الخدمات، وتردي المباني إلى درجة الاشمئزاز وحتى الآن لم يتم أي إجراء بهذا الصدد، ولم تتغير الحال ولا يلوح في الأفق ما يدعو للتفاؤل. الجميع يظنون أن الهيئة العليا للسياحة هي الجهة المسؤولة عن ذلك وهم محقون إلا أنه في واقع الأمر الهيئة لا تملك الصلاحيات! لا أعلم لماذا تصر وزارة البلديات والشؤون القروية أو وزارة النقل على الحرص في الاحتفاظ بهذه الصلاحيات مع أنها ،وكما هو مشاهد، لا تمثل أولوية بالنسبة لها! إن بقاء استراحات الطرق بهذا الوضع يعكس صورة غير حضارية ويعوق التنمية السياحية التي تعتمد على السفر والتنقل. الوضع السيئ لاستراحات الطرق ينبئ عن مستوى متدن للمعايير أو عدم تطبيقها، وأيا كان الأمر فهي بلا شك مشكلة كبيرة تمس الهوية الوطنية وظاهرة سيئة لا تعكس بأي حال من الأحوال الرخاء الاقتصادي والإنفاق السخي للدولة والذوق الرفيع للناس. إن الارتقاء بوضع الاستراحات يتطلب أن يتسلم زمام المبادرة الهيئة العليا للسياحة، لأن هذا من صميم عملها وهو تهيئة المناخ العام والارتقاء بالخدمات على الطرق السريعة التي هي جزء من النشاط السياحي. لا يمكن تصور أن يكون هناك هيئة عليا للسياحة مسؤولة عن تنظيم قطاع السياحة ولا تمكن من لعب الأدوار المطلوبة والضرورية، والتي لا يستطيع غيرها القيام به. إن قطاع السياحة يتداخل فيه كثير من الجهات، وأن هناك منطقة تتقاطع فيها الرؤى والمصالح الجهوية ما يشكل ضبابية وصعوبة في تحديد من؟ وكيف؟ ومتى؟ وماذا يجب عمله؟ ليقف الجميع في حالة من توازن القوى بين جذب وطرد لتستقر الحال ويهيمن الركود وتبقى الأوضاع على ما عليه، وهذا بالضبط ما يجعل تدخل الهيئة أمرا في غاية الأهمية وإطلاق يدها، بل ودعمها بمنحها الصلاحيات الكافية لتتولى مهام هي من صميم عملها، وهي الوحيدة القادرة على القيام بها بحكم التخصص والخبرة والاهتمام. إن العبرة بالنتائج وليس بحجم الصلاحيات ومع هذا، فإن كثيرا من الأجهزة الحكومية تسعى جاهدة في الحفاظ على صلاحياتها، بل السعي في الحصول على المزيد متى ما أتيحت لها الفرصة. لقد حان الوقت ونحن نعيش هذا النضج السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحرص ولاة الأمر، وتأكيدهم في كل المناسبات على تطوير المستوى المعيشي للمواطن والانتقال بالمجتمع إلى مستويات أعلى من التحضر وآفاق أرحب من التقدم، إلى الارتقاء بالعمل الإداري وترجمة تطلعاتهم إلى واقع ملموس. إن قطاع السياحة أمر مهم وجاد، وليس كما يظن البعض أنه للمترفين والأكثر حظا، إنه يمثل رافدا اقتصاديا ومصدرا للدخل الوطني، وأحد الحلول المهمة في زيادة فرص العمل، ومواجهة البطالة، وتبعاتها من المشكلات الاجتماعية مثل: الجريمة، والإرهاب، والمخدرات، إن لم يكن على المدى القصير فعلى المدى الطويل. إلا أن ذلك يشترط أن تمنح الهيئة العليا للسياحة الصلاحيات اللازمة لأداء المهمة خاصة وأنها تدرك تماما، بل تؤمن، بالعمل المشترك وتقدم نموذجا إداريا مميزا في تخليها عن النظرة الضيقة الجهوية وتركيزها الدائم إلى ما يدعو إلى العمل الجماعي ويحقق المصلحة الوطنية أولا وأخيرا.