رسالة إلى الدنمارك: هل ستظلم أوروبا مرة أخرى؟
[email protected]
بسم الله والصلاة والسلام على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبي الرحمة وخاتم الأنبياء الذي قال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". إننا (كمسلمين) نؤمن بصدقه، صلى الله عليه وسلم، وإنه نور أضاء العقل البشري وأن معرفته وسيرته في أي زمان ومكان سيضيء معهما النور إلى طريق الحق ويستبين. من هنا ومع نشر الصور سيئة الذكر في دولة تضع نفسها في مصاف الدول الحضارية المتقدمة فإن ذلك الحدث وبكل إفرازاته يقدم لنا صورة شاملة عن موقعنا (كأمة مسلمة)، وعن الدنمارك (ممثلا للحضارة الغربية) في الفلك الحضاري. لقد كانت ردة فعل الأمة الإسلامية على نشر تلك الصور سلوكا حضاريا متطورا، فهي من جانب ترفض الإساءة إلى عقلها المفكر ومن جانب آخر تحترم وتقدر قائدها حيا وميتا. فبعيدا عن شخصية الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فإن الإساءة إليه وصورته تمثل إساءة إلى فكر كل مسلم آمن به، فلا عجب إذا أن تنهض الأمة للدفاع عنه لأن في ذلك دفاعا عن عرضها وفكرها وعرض كل مسلم وفكره. فردة الفعل تمثل سلوكا حضاريا حقيقيا. وقد اتخذت أشكالا تتناسب مع هذا الشعور من خلال ردود فعل شعبية تمثلت في مظاهرات سلمية عمت أرجاء العالم الإسلامي ومقاطعة تمثل إشارة حضارية إلى رفض المنتج الفكري الدنماركي الذي يرفض المنتج الفكري الإسلامي. كما كانت هناك ردود فعل رسمية ظهرت في حركة دبلوماسية واسعة لمنع نشر الرسوم واستنكارات من حكومات الدول الإسلامية سلمت بطريقة رسمية إلى حكومة الدنمارك. كل هذا أضاء موقع الأمة الإسلامية الحضاري الذي تزحزح عن جموده الذي طغى عليه منذ قرون، وكما كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، ملهمنا في النهضة الأولى هاهي تباشير النهضة الجديدة تأتي على ذكره ودفاعا عنه. ثم أن الدفاع عنه، صلى الله عليه وسلم، يمثل عقيدة في حياة المسلم. فذكر اسمه، صلى الله علية وسلم، يجب أن يقترن بالاحترام والتقدير الكامل له وفي هذا يستوي الأمر في حياته وبعد موته. فذكره يستوجب التواضع له وقبول ما يقوله إن صح عنه. إن تقديرا كهذا لم تفعله حضارة إنسانية لقائدها وهو يدل على العمق الحضاري لردة الفعل الإسلامية تجاه من يسيء إليه.
في المقابل تنطلق أمه الدنمارك والحضارة الغربية المعاصرة من قاعدة الحرية في المعتقد والتفكير وفي التعبير عنهما. وهي في هذا لم تقدم جديدا عن حضارتنا الإسلامية، فنحن نقبل هذه المبادئ العامة التي تؤسس قاعدة سليمة للحوار ونقل المعرفة. إنني أؤمن (ولست في هذا اختلف عن جيل كامل من المثقفين المسلمين) أن العلم والحوار العلمي لن ينهضا إلا في بيئة من الحرية تكفل لهما التعبير عن آرائهما ونشر نتائجهما بلا قيد. ولكننا اليوم وأكثر من أي وقت مضى نؤمن بأنه ولقبول حرية الرأي يجب أن يستند إلى أسس من منطق ومنهج مقدر ومحترم. وفي هذا يعلمنا الله ـ عز وجل ـ فيما أنزله على نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، بقوله: "يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"، إن الرأي المبني على غير بصيرة ومن غير مصادر مقبولة ومحترمة وبعيدا عن التوثق والتأكد منه هو أقرب إلى الجهل منه إلى الرأي المقدر الذي يستحق القبول. وهنا يظهر الفرق الشاسع بين أن نكون أحرارا أو أن نكون جهلاء. وبما أن الحرية في الرأي يجب أن تبنى على المنطق والمصدر السليم للفكرة فإن الجهل يمثل الجانب العكسي فهو إما مبني على منطق مغلوط أو مصدر غير صحيح ومع ذلك يمكن أن نجد لصاحب الرأي الجاهل عذرا للخلل الذي أصاب منطقه إذا كان مثل ذلك الخلل خارجا عن إدراكه وفي هذا يصحح الرسول، صلى الله عليه وسلم، معنى حرية الرأي لأحد أصحابه عندما سب آخر أن قال له "إنك امرؤ فيك جاهلية". لكن ما لا يقبل عذره هو ذلك الإصرار على الرأي الجاهل الذي ينبثق من منطق مغلوط أو مصدر خاطئ مع علم صاحب الرأي بفساده. بهذا تتحول القضية من الحوار الحضاري ونقل المعرفة الفاضلة الحية إلى الهمجية الفكرية. وهو ما أعتقد أن الصحافة الدنماركية قد وقعت فيه بإصرارها على إعادة نشر الرسوم سيئة الذكر لأنها في ذلك الرأي لم تستند إلى معرفة موثوقة بالنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، ولا إلى منطق صحيح يمكن قبول استنتاجاته وفوق كل هذا لم تقبل الحوار الحضاري. هكذا يظهر تزحزح الحضارة الغربية في مقعدها الأمامي وهي تسمح للهمجية والرأي الهمجي أن يصلا إلى قنوات توجيه الفكر العام وهو ما كانت تعانيه أوروبا في العصور المظلمة فهل في هذا إشارة إلى أن أوروبا ستظلم مرة أخرى؟
إن الحضارات الإنسانية بمواقعها الحالية تشبه إلى حد بعيد الكتل القارية التي تطفو على وجه الكرة الأرضية فهي وإن بدت هادئة ساكنة فهي في حقيقية الأمر تتزحزح وتتحرك عن أماكنها وفي تحركاتها تضطرب عند أطرافها فتنتج الزلازل. وهكذا الحضارات ومنها الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، اليوم وهما يتزحزحان عن أماكنهما اضطربتا فتزلزلتا بحادثة نشر الصور سيئة الذكر، لكن الفرق أن إحداهما تحركت إلى الأمام والأخرى إلى الخلف.