مجمع الفقه يحيل بحوث بدائل الوديعة البنكية إلى اللجنة العلمية للبت فيها
أكد الدكتور سعد بن ناصر الشثري عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، أن بعض المنتجات البديلة للوديعة الآجلة والذي تجريه بعض المصارف الإسلامية فيها شبهة الحيلة على الربا، وأن التزام المصرف بشراء السلعة بثمن مؤجل أكثر من الحال يلغي معنى الأمانة في عقد الوكالة فتكون حقيقة العقد أن العميل سلم للمصرف نقداً وضمن له المصرف رده إليه بعد أجل بزيادة وهذه حقيقة الربا.
وأوضح الشثري في ورقة عمل قدمها في الجلسة الخامسة من جدول أعمال الدورة التاسعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة التي خصصت لمناقشة بعض الصور الحديثة البديلة للوديعة بأجل، أن البديل للوديعة الآجلة الذي تجريه بعض المصارف الإسلامية شبيه بعكس مسألة العينة لأن حقيقته شراء السلعة بنقد ثم بيعها بأكثر منه نسيئة ولوجود الارتباط في العقد الأول وهو شراء السلعة للعميل بوكالة المصرف وبين العقد الثاني وهو شراء المصرف للسلعة من العميل.
واعتبر الشثري هذه العملية "نقد حاضر بنقد مؤجل" أكثر منه تسميتها بدائل الودائع المصرفية، فالعميل إنما أراد إيداع المبلغ في المصرف بزيادة مؤجلة وكذلك هي إرادة المصرف وشراء السلعة ثم بيعها غير مقصود للطرفين.
وأشار الشثري إلى أن صورة هذه الوديعة تظهر فيها شبهة الحيلة على الربا، وذلك لأنها بهذا التنظيم المركب من عدة عقود يتولى فيها المصرف طرفي العقد وكيلاً في الشراء ومشترياً يجعلها وكأنها ثنائية الأطراف، والمقصود منها دفع دراهم بدراهم أكثر منها مؤجلة. ولفت إلى أن المجمع الفقهي قد أصدر فيه قرارا بعدم الجواز وما ذكر في قرار منعه من تعليلات توجد في هذا المنتج.
وكشف الشثري أن الواقع والعرف يقتضي إلزام المصرف مسبقاً بشراء السلع من العميل بدليل أنه لو علم أن المصرف مخير في شراء السلعة من عدمه لم يقدم على هذه العملية، ويترتب على هذا أن المصرف قد وعد العميل بشراء السلعة منه بعد تملكها وهذا الوعد قد التزم به المصرف عرفا وواقعا، مما يجعل هذا العقد أنه شراء من المصرف للسلعة قبل امتلاك العميل لها. وبين بأنه يمكن أن يقال إن هذا المنتج البديل للوديعة الربوية يجوز إذا تم التفريق بين العقد الأول والثاني بحيث لا يلتزم المصرف بشراء السلعة من العميل لا تصريحاً ولا عرفاً، ولكن الواقع والعرف يدل على أن المصرف ملتزم بالشراء ولو علم العميل قبل إبرام العقد أن المصرف يحتمل ألا يشتري منه لم يقدم على هذا العقد فدل على أن التفريق بين العقدين غير واقع وإنما المقصود هذا العقد المركب.
من جانبه أكد الدكتور سامي بن إبراهيم السويلم في ورقة عمل قدمها في الجلسة، أن الإشكالات الواردة على المنتج البديل للوديعة بأجل تكمن في أن المصرف عندما يقبض الثمن نقداً فهو يقبضه قبض ضمان وليس قبض أمانة، إذ يتصرف فيه بمجرد قبضه، كما هو الحال في جميع الأموال التي ترد في الخزينة، فإذا كان القبض قبض ضمان امتنع أن يكون المصرف وكيلاً عن العميل، بل تكون بمثابة المقترض لأنه ضمان للمال، ثم في نهاية الأمر يثبت في ذمة المصرف دين نقدي للعميل أكثر مما قبضه منه، وهذا هو الربا.
وأضاف أن التمييز بين تصرف الوكيل لمصلحته وبيت تصرفه لمصلحة موكله يرجع إلى نية الوكيل، ولهذا اتفق جماهير الفقهاء المعاصرين على عدم توكيل العميل في المرابحة للآمر بالشراء، وإذا كانت السلعة حقيقية ملكاً للمصرف لم يصح شراؤها من العميل بعد ذلك لأنها ملك المصرف ابتداءً، مشيراً إلى أن المصرف يعلن عن المنتج ويسوقه للعملاء بأنه استثمار يضمن فيه المصرف الثمن الآجل للعميل، فهو بذلك يلتزم بأن يشتري السلعة من العميل بعد شرائها نيابة عنه، وإن توكيل الطرف المقابل قد منعه الإمام مالك رحمه الله، وإن الهيئة الشرعية الموحدة لمجموعة البركة قررت منع توكيل العميل الآمر بالشراء في المرابحة المصرفية، وأن الأصل في عدم جواز توكيل البنك الواعد بالقيام بالشراء والتسليم؛ لأن ذلك يفقد عملية المرابحة معناها.
وأوضح السويلم أن هذه الحيل على الربا المكشوفة لها أثر سلبي في تشويه مظهر الإسلام والاقتصاد الإسلامي أمام الناس، مستشهداً بما حصل بين أحد المصارف الإسلامية وبين أحد عملائه من نزاع في قضية تمويل من خلال توكيل الطرف المقابل، وادعى فيها العميل أن الاتفاقية لا تمثل تمويلاً إسلامياً حقيقياً ليتنصل من التزاماته، ورفعت القضية للمحكمة الإنجليزية حينها، ثم بعد دراستها كان من تعليق القاضي "لو كان الحكم في هذه القضية وفقاً للشريعة الإسلامية لكان الأقرب أن يكسب المدعي القضية" أي كان الأقرب بطلان العقد المبرم بين الطرفين المصرف والعميل. وبعد استعراض الباحثين لأوراق العمل والدراسات التي قدموها في موضوع الجلسة تمت مناقشة ما تم عرضه من قبل أعضاء المجمع، وأحيلت نتائج المناقشة إلى اللجنة العلمية لإعداد خلاصة بذلك، ومن ثم العرض على أعضاء المجمع في جلسة مقبلة من جلسات هذه الدورة.