رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لجنة لمراجعة اللجان

[email protected]

يذكر قول إنجليزي لا يخلو من الخبث إنه إذا أردت ألا تصنع قراراً فعليك بتشكيل لجنة, فهي الدواء لكي يضيع الدم بين الجهات, فجهات المال والاقتصاد تلوم جهة المواصلات وجهة العمل تلوم جهة الداخلية وجهة الحج تلوم جهة الإعلام وجهة التعليم تلوم جهة المال وحتى جهة الصحة، وهكذا لوم في لوم ولكنه كله من خلال الهمس عن اللجان, ومرة نسميها لجنة ومرة لجنة عليا ومرة أخرى مجلس إدارة، بل إن بعض اللجان شكلت لجانا فرعية فهذا فرع من جهة وتتعدد الأسباب والموت واحد. ذكر الكثير من الزملاء أنهم يعانون كثيراً في جمع أعضاء اللجان مهما يكن الموضوع مهماً للبلاد. فبعض هم يتعذر بالصيف وآخر برمضان وآخر بلجنة أخرى وآخر لم يقرأ ويعرف عن الموضوع الكثير فيتفادى الحضور والبعض يرسل من هو أقل منه وبعضهم يعتقد أن هذه اللجنة غير مهمة لأن ليس فيها وزير أو نافذ وليس بعض اللجان الوزارية بأحسن حال وتتعدد الأسباب والموت واحد.
في عرف الإدارة الحكومية هناك مكان للجان وغرض عملي لتعظم فائدة التنسيق وتلاقح الأفكار والعمل كفريق واحد، والتقليل من عدم التناقض بين الجهات وتفادي الممانعة المباشرة وغير المباشرة أياً كان مصدرها. لذلك فإن اللجان قد تكون ذات فائدة فقط طالما أنها لا تتعدى هذا الدور ويصبح الدور سلبيا إداريا واقتصادياً. كذلك أصبحت اللجان مصدرا مالياً لا بأس به لبعض موظفي الحكومة حيث إن الرواتب لا تتماشى مع طموح وقدرات القلة من موظفي الحكومة. ويرى البعض أن تشكيل اللجان إحدى وسائل الرقابة وهذا فيه خلط للأدوار.

هذه هي الإشكالية .. ما الحل؟

لدينا لبس جماعي حيث إن اللجان أصبحت بديلا عن القطاع أو المؤسسة صاحبة الشأن في ذلك الموضوع أو ذاك, كذلك استبدلنا ذهنياً الدور المناط بالبحث وجمع المعلومات وتبوبيها لخدمة القرار بتشكيل لجنة لتداول الرأي. لذلك يأتي أعضاء اللجان في الغالب غير جاهزين أو مجهزين للعمل, فبدلا من عمل منهجي تصبح اللجنة في بعض الأحيان إما للتصديق على قرار الجهة صاحبة الشأن أو في الغالب مركز مداولات للرأي والرأي الآخر ومكانك سر.

ينطوي الحل على مرحلتين: الأولى في التغيير الفكري حول دور اللجان وتعميق الدور المعرفي والبحثي في أجهزة الحكومة لكي يسهل دور الجهات واللجان، وكذلك الاستعانة بالمؤسسات الاقتصادية والمالية المستقلة في القطاع الخاص عن اللجان لكي يكون القرار مهنيا مستقلا. يلجأ الكثير من الحكومات إلى المختصين بالدراسة والتمحيص والبحث مما يساعد الوزير والمدير على الوصول إلى القرار بدلاً من مداولات مع زملاء في البيروقراطية ليس لديهم علم جديد.
المرحلة الثانية هي في إصلاح أسلوب عمل اللجان وربط ذلك بالوقت وأن تكون المكافأة المالية على الإنجاز وليس الاجتماع فقط. كذلك يفضل أن يبدي أعضاء اللجان رأيهم المكتوب بشفافية ووضوح حول القرار الأخير وقبل ذلك التأكد من أن لدى المشارك الوقت والقدرة. الواضح أن هناك عشرات من الموظفين الكبار يترددون على كل لجنة ومجلس إدارة. كذلك يستحسن أن يصدر قرار بدفن بعض اللجان إما لعدم القدرة وإما لانتهاء المهمة. لقد غطس اقتصادنا في بحر اللجان الهائج، وحان الوقت لأن تكون هناك متابعة مجدولة لعمل هذه اللجان وإعلان موت بعض منها والحد من هذه الظاهرة التي بدأت تصبح إحدى سمات الاقتصاد السعودي وتؤثر سلبا في عملية صُنع القرار. ولعل نقطة البداية هي إحصاء هذه اللجان ومدى تكلفتها غير المباشرة (أعلى) وتكلفتها المباشرة (والتي ستكون هناك مقاومة نظراً لبعض المصالح الضيقة الواضحة).
لم يعد الوقت يحتمل قراراً حكومياً يبدأ بفكرة طيبة وتوجيه سام كريم، ثم ينتهي في بحر اللجان دون أي رعاية ويصل في الغالب مخدوشاً ومجروحاً ضعيفاً وهزيلاً. لقد جربنا اللجان وعرفنا محدودية قدراتها، حان الوقت لمساءلة اللجان. الأمل أن تكون هذه أول لجنة تعمل لصالح الوطن.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي