رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حوار صريح مع نائب وزير التربية والتعليم

[email protected]

تلقيت دعوة كريمة من الجمعية السعودية للإدارة لحضور الحفل التكريمي لأعضاء مجلس إدارتها السابقين والداعمين وكذلك بدء برنامج الحوار الصريح الذي أسموه "على المكشوف"، حيث يتم استضافة إحدى الشخصيات القيادية والفاعلة في المجتمع لمناقشة موضوعات وطنية عامة في مناخ من الشفافية والصراحة وحرية التعبير. وهذا نهج طيب ينسجم مع التوجهات الحميدة للدولة في تشجيع الحوار والمشاركة في الرأي وهو أيضا يأتي في سياق الجهود التي ترمي إلى محاربة الفساد وزيادة الكفاءة والفاعلية لعملية صنع القرارات والاستجابة لمتطلبات المواطنين. وعلى أن الفكرة جيدة وتحقق ما ذكر إلا أن هناك تحفظ على الاسم. كان من الأجدر اختيار اسم "الحوار الصريح" على سبيل المثال بدلا من "على المكشوف" لأن العبارة الأخيرة تعطي مدلولا سيئا وانطباعا أن هناك من يتقصد تغطية العيوب وأن على الحضور التفتيش عنها واستحضار أحكام مسبقة وهذا الأسلوب لا يخدم أهداف النقاش والحوار بل يعطل عملية التعلم وتبادل الخبرات والوصول إلى تفاهم مشترك يخدم الصالح العام بنظرة واقعية عملية. إلا أن ذلك لا يقلل بأي حال من الأحوال من أهمية الفكرة وإنها مبادرة تستحق الثناء والتقدير.
لقد كان ضيف اللقاء الدكتور خالد بن عبد الله آل مقرن نائب وزير التربية والتعليم ولقد كان اختيارا موفقا من اللجنة التنظيمية في الجمعية لسببين: الأول أن قطاع التربية والتعليم يهم جميع المواطنين ويواجه تحديات كبيرة في جميع مكوناته، والثاني أن سموه والذي ألتقيه لأول مرة وأسمع حديثة كان على قدر كبير من الثقافة وسعة الاطلاع يشدك أسلوبه المتميز في التحليل ووصف التجربة الإدارية ورؤيته المستقبلية لما يجب عمله. لقد كان لتواضعه الجم وبساطته وعفويته يقترب من عقول وقلوب الحاضرين وأجزم أنه نجح في توصيل أفكاره وأطروحاته للكثيرين. لقد تحدث سموه في مقدمة كلمته بتواضع وأريحيه في أنه جاء ليتعلم وهذا ديدن القيادات الناجحة الحية التي تبني تراكمها المعرفي كل لحظة وفي كل مناسبة وتتماشى دائما وأبدا مع وقع المتغيرات. لقد أكبرت في سموه شجاعته الأدبية وثقافته العالية وأعلم يقينا من أسلوب حديثه أنه لم يقل ذلك على سبيل المجاملة. التعلم عند البعض استصغار للنفس لأن مفهومهم له قاصر على التلقي والاتصال في اتجاه واحد، بينما هو ببساطة التواصل بين طرفين وإحداث التغيير في الفكر والميول والسلوك. ولأن طبيعة الحياة التغير وعدم الثبات على وتيرة واحدة كان لابد من استيعاب هذه التغيرات بإدراكها أولا ومن ثم محاولة تجسير الهوة بين الوضع الراهن والوضع المرغوب.. إن هذه النوعية من القيادات الوطنية الواعية هي التي تجعل المواطن يطمئن على مستقبلة ومستقبل أبنائه، بل يؤمن أن ولاة الأمر حريصون على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وهو نجاح بلا شك يجير لكفاءة وفاعلية نظامنا السياسي في معايير الاختيار وأسلوب صناعة القرار. لقد كان سموه يمثل بحق قيادة مستنيرة تستشف من حديثه أنه يتبنى قيم الشفافية والمصداقية واحترام الرأي والرأي الآخر.
لقد أحسنت الجمعية صنعا حينما تبنت فكرة التقاء الإداريين التنفيذيين الممارسين مع الأكاديميين لأن هناك علاقة تبادلية بين الطرفين فالممارسون يحتاجون إلى النظرية في توجيه وتطوير أعمالهم وتمنحهم القدرة على وصف تجربتهم عبر المصطلحات والمفردات العلمية، بينما نجد أن الأكاديميين وفي سعيهم نحو بناء النظرية يتطلبون المعلومات الموثقة والتجارب الميدانية والممارسات العملية. من هذا المنطلق فإن الحضور استفادوا وتعلموا من تجارب سموه الإدارية وخرجوا بحصيلة من المعلومات أفادت في توضيح أين نحن متجهون في قطاع التعليم. لقد أوضح سموه أنه تم صياغة استراتيجية لتطوير قطاع التربية والتعليم لزيادة فاعليته وكفاءته وتحسين مخرجاته. من بين أهم مرتكزات الاستراتيجية التي ألمح إليها سموه هي تطوير المعلمين عبر تبني برنامج تدريبي مكثف. لأن المعلم في رأي سموه هو مرتكز العملية التعليمية وأنه من أجل الارتقاء بمستوى الطلاب كان لا بد من إعداد المعلمين لمهنة التدريس. وقد أشار إلى أن مهنة التدريس كأي مهنة أخرى لها معاييرها وأسسها وأن من يرغب في دخولها أن يكون متمكنا منها. لم يعد في الإمكان أن تكون مهنة التدريس مهنة من لا مهنة له. فهي من أهم وأشرف المهن وقد تتوقف نجاحاتنا على المستوى الوطني في كثير من المجالات على مستوى التعليم، فإذا صلح، صلح المجتمع وارتقى مراتب أعلى من السلم الحضاري. من هنا فإن مهمة وزارة التربية والتعليم إعداد مواطنين صالحين منتجين وليس الاهتمام بتلقينهم المعلومات وحشوها في أذهانهم. تحدث سموه عن خطة الوزارة في أن تكون جميع المدارس نموذجية البناء ولن تكون هناك أي مدرسة في بناء مستأجر بحلول عام 1430هـ. وهذا بلا شك خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح. إذ لا يعقل في أن تكون هناك مدارس في مبان مستأجرة ذات مستوى متدن لا ترتقي لتطلعات المواطنين ولا تعكس الدعم السخي للدولة ولا تتناسب مع قوة الاقتصاد الوطني. إلا أن المشكل الرئيس في قطاع التربية والتعليم - كما أوضحت في مداخلتي لسموه - ليس المعلم والمنهج والمبنى وهي بلا شك مكونات أساسية للعملية التعليمية ولكن القصور الإداري والمتمثل في المركزية الشديدة جدا في عملية صنع القرار. إذ إن ما نعانيه من تدن في مستوى التعليم هو ظاهرة وليس المشكلة ذاتها. إن هذه المشكلات المتعلقة بالمعلم والمنهج والمبنى وغيرها من مكونات التعليم هي بمثابة قمة الجبل الجليدي الجزء الظاهر منه، بينما تقبع المشكلة الرئيسة في الجزء الذي لا يرى ويغمره الماء. إن العبرة في تفعيل عناصر العملية التعليمية وليس توفيرها فقط. من هنا فإن عملية صنع القرار هي جوهر الإصلاح والتطوير ولن نستطيع تحقيق إنجازات حقيقية ونجاحات ملموسة ومستدامة دون إعادة صياغة أسلوب ومنهج إجراءات صنع القرار. إن التغيرات التي تعصف بنا من كل اتجاه تتطلب سرعة الاستجابة بفاعلية وكفاءة وهذا لا يتأتى إلا بتطبيق اللامركزية ومنح صلاحيات مالية وإدارية لمديري المدارس وتفعيل مجالس التعليم في المناطق. لم يعد في الإمكان الركون للتنظيمات البيروقراطية البطيئة الجامدة وتحويل مديري المدارس إلى مراقبين للحضور والانصراف ومأموري مستودعات يتأكدون من امتلائها بالكتب دون حول ولا قوة. إننا بذلك نكون قد قتلنا الطموح والإبداع والابتكار والمبادرة في نفوس المسؤولين المحليين وقضينا على روح المبادرة والقدرة على صناعة القرار التي هي أساس الإدارة. أن المنافسة في التميز هو سر النجاح والدافع نحو الارتقاء بالعملية التعليمية، والسبيل إلى تحقيق ذلك هو بتبني الإدارة النتائج، حيث يكون تقييم أداء إدارة المدرسة ليس على تطبيق الإجراءات وحسب - التي يكون بعضها انتهت صلاحيته وانتفى المقصد منه - وإنما قدرة المدير على تهيئة المناخ العام وتطوير طرق تعليمية جديدة وتطبيق تقنيات متقدمة والاستعانة بالمتخصصين والسعي الجاد نحو الإبداع والمبادرة في تبني فلسفة جديدة تدفع الطالب للمعرفة والتعلم والتركيز على تنمية مهاراتهم الفكرية والنفسية والسلوكية وجعل التعليم متعة وهواية وإتاحة قدر من الحرية للتعبير والشفافية. إن خلق منافسة بين المدارس مطلب رئيس للارتقاء بالعملية التعليمية وهو يستلزم منح الصلاحيات الإدارية والمالية لمديري المدارس ومجالس التعليم حتى يتمكنوا من أداء الأدوار الحقيقية وإلا فلا يجب أن نتوقع منهم ما لا يستطيعون ففاقد الشيء لا يعطيه! ما يجب فهمه أن هناك تدرج مكاني للسلطة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقوم الأجهزة المركزية الوطنية بمعالجة المشكلات اليومية في المدارس أو مناقشة القضايا الإقليمية على مستوى المناطق. إن على الوزارة الالتفات إلى الاستراتيجيات الوطنية والقضايا التي تشمل الوطن ككل وترك القضايا المناطقية للمجالس التعليمية والقضايا على مستوى المدارس والعمل اليومي لمديريها فهم أكثر دراية ومعرفة واهتماما بشؤونهم. لقد جربنا المركزية منذ بدء التعليم الرسمي والنتيجة أن التعليم مازال دون المستوى العالمي وحتى الإقليمي، ولقد حان الوقت في أن نطبق اللامركزية ونخرج عن المألوف ونفكر خارج الصندوق وأن نتحدث في الهواء الطلق وأن نطلق القوى الكامنة داخل ذواتنا، لأن لدينا الكثير الذي نحتاج فقط إلى استكشافه، كما اكتشفنا مناقب وفكر وقدرات سمو نائب وزير التربية والتعليم في حوار صريح و"على المكشوف".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي