بدل الغلاء بين الأكثر والأقل حظا
تباينت ردود الأفعال حيال إقرار 5 في المائة بدل غلاء معيشة لتمكين المواطنين من مواجهة حالة التضخم في الاقتصاد الوطني. وهو أمر طبيعي فالسياسات العامة ذات تأثير واسع وتمس شريحة كبيرة من الناس أو جميعهم وهم يتفاوتون في القدرة والاحتياجات والتفضيل والذوق والرغبة. وعلى أن الـ 5 في المائة التي أقرها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي تأتي ضمن سياق التوجه الحميد للدولة وسعيها في لإيجاد مخرج لأزمة التضخم وتخفيف العبء عن كاهل المواطن ومساعدته على تخطي هذه الأزمة مقرونة بحزمة من سياسات خفض الرسوم الحكومية، إلا أن هناك تفاوتا بمقدار المنفعة التي يتحصل عليها المواطنون بمقدار التفاوت بينهم في مستوى الأجر والدخل. وأحسب أن هذا التفاوت لم يتم استيعابه، ما فوت الفرصة لتحقيق الهدف من رفع المعاناة بكفاءة وفاعلية, خاصة عن أولئك الذين يقبعون في قاع المستوى الاقتصادي ويئنون من وطأة التضخم ويعانون أيما معاناة. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التركيز على بدل التضخم دون الأخذ بعين الاعتبار الدعم الحكومي السخي غير المباشر, المتمثل في تخفيض الرسوم الحكومية التي يقدر أن تكلف الدولة ما يقارب 30 مليار ريال. هذا أمر يجب ملاحظته وتقديره في خضم النقاش المحتدم حول مواجهة التضخم والتركيز على نسبة البدل، فالأكثرية قد لا تدرك أهمية هذا الدعم الذي قد يفوق معدل الدعم المباشر. ومع أهمية خفض الرسوم، إلا أنه يظل هناك تفاوت في مستويات الدخل بين فئات المجتمع، وبالتالي تفاوت في مقدار الاستفادة منها. من هنا تظهر أهمية نسبة البدل لأصحاب الرواتب المتدنية كونها تمنحهم الفرصة لتعديل مستوى حياتهم المعيشية آنيا والحصول على كميات أكبر من السلع والخدمات المخفضة.
لا أحد يزايد على وطنية من ساهم في صياغة القرار أو التقليل من جهدهم وفكرهم ونظرتهم ومبرراتهم في فهم المشكلة ومعالجتها. وبأكثر دقة يمكن القول أن ليس هناك أسلوب أو طريقة واحدة في التعامل مع ظاهرة التضخم وإنما هناك تصورات متعددة وآراء مختلفة تحكمها الفلسفة والمعطيات والمحددات وهي بالتالي ترجع للاجتهاد الشخصي المهني في تحقيق أكبر منفعة اجتماعية لجميع الأطراف في إطار المصلحة الوطنية بنظرة موضوعية ومستدامة. من هنا فلا بأس والأمر كذلك، أن تطرح آراء أخرى ليس بالضرورة تدعي مستوى أكبر من الصحة والمثالية ولكن على أقل تقدير تستحق أن تسمع لتوسيع دائرة النقاش واستيعاب أكبر عدد من الآراء حتى تكون السياسات العامة أكثر كفاءة وفاعلية، ففي نهاية المطاف العبرة بتحقيق المصلحة العامة والاستجابة للمتطلبات الحقيقية للمواطنين.
إن من اللازم الاعتراف بأن ضرر التضخم يتفاوت بين الفئات الاقتصادية في المجتمع. فالأقل حظا من أصحاب الدخول المتدنية هم أكثر الفئات معاناة. إذ ترتكز معاناتهم على صعوبة توفير الاحتياجات المعيشية اليومية الضرورية. ولذا قد لا تكون 5 في المائة في زيادة رواتبهم تمثل مبالغ تكفي لسد احتياجاتهم أمام معدل تضخم يطول مصروفات ضرورية لا غنى لهم عنها مثل السكن والطعام والكهرباء والمواصلات وغيرها. فعلى سبيل المثال لنتصور أن أحدهم براتب مقداره ثلاثة آلاف ريال فإن الزيادة تعني ما مقداره 150 ريالا فقط وهي بلا شك لا تمثل مقدارا يكفي لمواجهة التضخم، بل حتى مستوى العيش الكريم قبل التضخم! وعندما يكون الراتب لا يزيد على 1500 ريال تكون الحال أدهى وأمر وتكون الزيادة لا تكاد تذكر ولا يكون لها أثر! إذا المسألة هنا ليست الزيادة وإنما مقدار الزيادة الذي يؤدي إلى معالجة المشكلة خاصة أولئك الذين هم أكثر تضررا.
أعلم علم اليقين أن ولاة الأمر في هذا البلد الكريم حريصون كل الحرص على رفاهية المواطن وتمكينه من العيش الكريم، إلا أنهم في الوقت ذاته يسعون إلى أن يكون قرارهم مبنيا على آراء الخبراء والمستشارين حرصا على الموضوعية والعدالة والمساواة. وفي دائرة الخير والعطاء يكون الاجتهاد والتداخل من الجميع فيما يحقق المصلحة العامة، فالدولة هي الناس والناس هم الدولة. هذه هي الخصوصية السعودية التي نفاخر بها العالمين، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة حميمية طبيعية من نبت هذه الأرض الطيبة, ولا غرو أن حكام هذه البلاد جعلوا مجالسهم وقلوبهم مفتوحة لجميع المواطنين دون تمييز متلهفين لسماع آرائهم واحتياجاتهم حريصين ألا يقع الظلم على أحد. إنه نهج المؤسس الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ الذي بنى حكم هذه البلاد على العدل والمساواة. هذا ما يميز نظامنا السياسي بإنه نابع من الشريعة السمحة والتقاليد العربية العريقة وحكمة وحنكة القيادة السياسية. إن دور القيادة هو وضع الأطر العامة التي توجه العمل الحكومي دون الإغراق في التفاصيل فهذه مهمة تترك للخبراء والمستشارين، على سبيل المثال الزيادة الأخيرة أساسها التوجيه الكريم من ولاة الأمر بوضع حلول للتضخم وبالتالي ومن خلال تسلسل إجرائي قانوني لعملية صنع القرار يقدم المسؤولون والخبراء والمستشارون ومجلس الشورى الصيغة النهائية, واعتمادا عليها يصدر مجلس الوزراء قراره.
إن الحقيقة الماثلة التي كان من الأجدر أخذها بعين الاعتبار هي أن هناك تفاوتا في الضرر من التضخم بين فئات المجتمع وبالتالي هذا يحتم التفاوت في نسبة الزيادة بينهم. ثمة قانون اقتصادي يقول بتناقص المنفعة الحدية للريال مع زيادة الدخل. وهذا يعني أن ما تضيفه الريالات الإضافية للمنفعة الكلية للأغنياء هي أقل مقارنة بالفقراء. فكلما زاد دخل الشخص قلت المنفعة الحدية للريالات (الإضافية). هذا يقتضي بالضرورة منح الأقل حظا نسبة أعلى لغلاء المعيشة من الأكثر دخلا تحقيقا للمنفعة الاجتماعية، التي هي مجموع منافع الأفراد في المجتمع. فإذا زادت منفعة الفقراء دون التأثير على منفعة الأغنياء فإن ذلك يقود إلى تعظيم المنفعة الاجتماعية وتحقيق المصلحة العامة. فلو كان هناك على سبيل المثال واعتمادا على القانون الاقتصادي السابق تدرج بالنسب حسب الراتب، كأن يمنح من رواتبهم أقل من ثلاثة آلاف ريال 40 في المائة، ونسب أقل للمستويات الأعلى. المهم في الأمر التدرج بحيث تزيد النسبة كلما قل الأجر والراتب.
إن أمر التضخم مسألة في غاية الخطورة لها تبعات اجتماعية وأمنية تتطلب معالجات جذرية وحاسمة وليس مهدئات آنية شكلية. فهناك من لا يستطيعون توفير الحد الأدنى من العيش لأن رواتبهم لا تتجاوز 1500 ريال ولربما كانوا مسؤولين عن رعاية أسرهم ومحرومين من الكثير من ضروريات الحياة الكريمة ويتطلعون إلى تحسين مستواهم المعيشي. إن القصد هو وضع حلول ناجعة ذات تأثير إيجابي ينتشل هذه الفئة من براثن الفقر والفاقة حتى نضمن انتظامها في المجتمع ونحد من تفشي كثير من الأمراض الاجتماعية ونقلل الفجوة بين الطبقات الاقتصادية العليا والدنيا حتى نضمن الاستقرار الاقتصادي والأمني والانضباط الاجتماعي وتعزيز الترابط واللحمة الاجتماعية.