تطوير الموازنة العامة وخريطة طريق التغلب على التضخم
أصدر مجلس الوزراء سبعة عشر قرارا لمواجهة التضخم جميعها مدروسة وضرورية بلا شك، ولكنها غير كافية بعد. إن مشكلتنا مع التضخم متشعبة المصادر أولها الاستيراد لمعظم احتياجاتنا الاستهلاكية ولكننا نستورد معها كل عيوب اقتصاد الآخر وأحيانا ثقافته لذلك نعاني التضخم المستورد. والثاني الرقابة على المنافسة فقد تجاهلنا سلوك المنتجين والتجار بصفة عامة حتى وقعنا في فخ الاحتكار. والثالثة ترشيد الإنفاق الحكومي. وعندما أقول الترشيد فلست أعنى تقليص الإنفاق مما يعوق النمو الاقتصادي بل المقصود تطوير قدراتنا الرقابية واستخدام موازنات أكثر تطورا. ومع القرارات الـ 17 فإن هذا يعني أننا في حاجة إلى خريطة طريق للتغلب على التضخم وبقية العوائق الاقتصادية.
فقد تطورت الموازنات العامة من موازنات الرقابة أو البنود (وهي التي لا نزال نستخدمها إلى اليوم) حتى الموازنات الصفرية مرورا بموازنات البرامج والأداء. والقضية الأساسية لهذه الموازنات هي الوصول إلى مستوى عال من الفاعلية في استخدام الموارد المالية المتاحة. وكنت قد تحدثت في مقال سابق عن ضعف الدور الرقابي لنظام الموازنة المتبع حاليا والذي يستند إلى التصنيف بحسب أنواع المصروفات وتقسيمها إلى أبواب ومن ثم إلى بنود حيث تخصص لكل مؤسسة حكومية وكل وزارة اعتماداتها الموزعة على هذه الأبواب وتستطيع أن تصرف في حدود الاعتماد. ومع ذلك فإننا نتجاوز الاعتمادات كل سنة وبنسب ذات أهمية نسبية. وتتجاوز جميع الوزارات والمصلح اعتمادات البنود من خلال المناقلات التي تتيح لها مساحة واسعة في الصرف الذي يكرس التضخم. وهكذا فإن نظام الموازنة الحالي لا يساعد على تحقيق الرقابة على الإنفاق ولا يساعدنا بالتالي على السيطرة على التضخم.
في المقابل فإننا لا نستطيع التحول إلى أنظمة أكثر تطورا بالسرعة المطلوبة أو بالتسارع نفسه الذي يفرضه التضخم علينا. كما أن مثل هذا التحول سيتطلب تغيرات هيكلية واسعة وكذلك تغيرات في النظم الإلكترونية المستخدمة وسيحتاج إلى تدريب كثيف وواسع مما يعني أن فاتورة التغير ستكون أغلى بكثير من فاتورة التضخم أو الهدر فالصبر من هذه الناحية أفضل.
لا شك أن موازنة البرامج والأداء ستحقق للدولة شمولية الرقابة على الإنفاق وترشيده لأننا سننتقل من مستوى الوزارات إلى مستوى البرنامج الذي سيغطي أكثر من وزارة ومصلحة ومؤسسة حكومية في آن معا. فهناك مشاريع ذات صبغة واحدة ولكنها تنفذ من قبل عدد كبير من الوزارات والمصالح وبشكل فردي وبعضها بعيد عن الآخر. وهذا يخلق هدرا كبيرا في الإنفاق والذي بدوره يفاقم من مشكلة التضخم. لو استطعنا أن نوحد العمل بين الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة من خلال تحديد الإنفاق على البرامج بدلا من البنود. فمثلا الصحة بشكل عام يمكن تجزئتها إلى برامج عدة ومنها توفير الدواء أو مكافحة مرض معين، فلو استطعنا تحديد تكلفة هذا البرنامج بشكل عام وحددنا جميع الوزارات والمصالح التي ستقوم بتنفيذه ومنها الصحة والدفاع والحرس الوطني والتعليم العام والجامعي وغيرها مما لها علاقة بالصحة فإننا سنرفع من مستوى السيطرة على الإنفاق من الوزارة أو المؤسسة إلى مستوى البرنامج ويبقى دور الوزارة تنفيذيا بحتا. كما يمكننا من تقييم كل برنامج بشكل دوري مما يرفع من مستويات الدقة ويساعد على تحقيق وفورات كبيرة.
لا نستطيع تنفيذ هذا النوع من الموازنات بسبب التكاليف الكبيرة للتغيير والتدريب والتنسيق بين الوزارات الذي يتطلبه، ومع ذلك فهناك حل وسط. الموارنة الحالية تنقسم إلى أربعة أبواب وهي: الباب الأول الخاص بالرواتب والبدلات، الباب الثاني الخاص بنفقات التشغيل، الباب الثالث الخاص بالصيانة والتشغيل والباب الرابع الخاص بالمشاريع. بالنسبة للباب الأول من الصعوبة بمكان تحقيق نظام موازنة البرامج كما أن هذا الباب من أسهل الأبواب من حيث الرقابة وأكثرها صعوبة من حيث الترشيد. كذلك بعض بنود الباب الثاني من الصعوبة بمكان انعكاس موازنة البرامج عليها لأنها مصممة لخدمة كل مؤسسة حكومية على حدة.
ويبقى لنا البابين الثالث والرابع وبعض البنود في الباب الثاني. هذان البابان مؤهلان لتطبيق نظام البرامج ولو جزئيا. فالباب الثالث مختص بالصيانة والتشغيل وقد نجد هنا وخاصة في مجال التشغيل مشاريع متشابهة بين عدد من المؤسسات الحكومية. وفي الباب الثاني بنود مهمات ومستلزمات فهناك مثلا برنامج مثل مشتريات تتعلق بالتعليم وهذه الخدمة تقدم عن طريق عدد من المؤسسات الحكومية والوزارات. فنجد مشتريات متشابهة لوزارة التربية والتعليم ووزارة الدفاع والحرس والجامعات والأمن العام وغيرها كثير وحاليا تقوم كل وزارة بترتيب عملية الشراء بمعزل عن الآخرين مما يقلل من فرصها في التفاوض كما يقلل من قدراتنا على الرقابة أو الترشيد. هنا أعتقد أنه يمكننا تطبيق موازنة البرامج من خلال تحديد الهدف الموحد الذي تستهدفه جميع هذه المؤسسات ومن ثم إدراج عملية الشراء كبرنامج. كما يمكننا مثلا من تطوير برامج مشتريات الأدوية، حيث يتم التنسيق بين كل الوزارات التي تحتاج إلى أدوية ويتم التعامل مع ذلك ببرنامج شامل ومناقصات تختص بالبرنامج بدلا من الوزارات المختلفة. ولنتأمل كم سيحقق لنا هذا من فوائض وكم سيسهم في ترشيد الأنفاق الحكومي. وما يمكن إنجازه على مستوى الباب الثالث يمكن إنجازه على مستوى الباب الرابع لو استطعنا إعادة دراسة المشاريع الجديدة واكتشاف البرامج من خلالها.