الأنماط المعمارية للشركات العالمية مهددة بالانقراض

الأنماط المعمارية للشركات العالمية مهددة بالانقراض

خط المباني ذات الأشكال العجيبة التي ترى من الأفق في المراكز التجارية العظيمة للعالم هي في تطور مستمر. ترى المكاتب الواهنة وهي تشق عنان الضباب والدخان، في الوقت الذي تمتلئ فيه شبكات الشوارع على نحو يزداد كثافة بالجدران الهائلة من الزجاج والفولاذ والرخام، التي تشكل اللغة المادية للشركة الحديثة. ومع ذلك وبالرغم من هذه الطفرة الدولية، فإن المقر الرئيسي للشركات هو اليوم من الأنماط المعمارية المهددة بالانقراض.
كان هناك زمن، في قمة أوان الحداثة، حين كانت الهندسة المعمارية للشركات هي التي تُحدِث التقدم في التصاميم، وحين أنتج التقدم التكنولوجي والابتكار والطليعة فيضاً هائلاً من البنايات الرائعة، مثل مبنى الزجاج الأخضر الذي يتألف منه ليفر هاوس في نيويورك، واللون الأسود الأنيق الذي يغطي مبنى صحيفة ديلي إكسبريس في لندن الذي يتميز بكثرة جوانبه التزيينية والذي صممه الفنان أوين وليمز، والمصنع الحديث المذهل الذي صممه الفنان نفسه لشركة بوتس في نوتنجهام. هذه المباني الشامخة والتي كانت أحياناً تبالغ في إظهار ذاتها ما تزال ترسم معالم المباني العالية في المدن والعلامات التجارية، كما هي محفورة في الوعي العام كأنها أحياء في المدن أو محطات.
خلال عشرينيات وحتى وأوائل ستينيات القرن الماضي، أمضى أعظم المهندسين المعماريين في العالم وقتهم وهو ينشؤون المباني لعملائهم من الشركات الطموحة التي كانت تريد تجسيد علاماتها التجارية وقيمها وإنجازاتها في شكل مبني لهذا الغرض. وأنتج أفضل الفنانين مبان قوية بصورة رائعة، من مبنى وولويرث ومبنى كرايسلر في نيويورك إلى مبنى سيرز تاور في شيكاغو.
وبحلول الثلث الأخير من القرن العشرين، أخذت الشركات الكبرى في التراجع عن المباني الضخمة التي تعطي صورة للفخامة عن هذه الشركات وعن مظاهر الحضور المدنية الكبيرة. وبسبب الصعوبة المتزايدة في العثور على قطع أراض مركزية في أواسط المدن الكبيرة، إلى جانب عزوف الشركات عن استثمار رأس المال في العقارات باهظة الثمن، لم تعد مشاريع البنايات المخصصة للمقرات الرئيسية للشركات من الأمور الدارجة. وبدلاً من ذلك تحولت الشركات إلى مرونة استئجار المباني، وعزفت عن إنفاق مبالغ كبيرة على التصاميم المعمارية الجديدة في بيئة من الأعمال ذات الطبيعة المتقلبة. وفي الوقت الذي جلبت فيه السرعة المتطرفة للتغير في تكنولوجيا المكاتب الجديدة معها أحلاماً بالمكاتب الفخمة والتصاميم المنزلية فإن مستقبل البنايات الضخمة للمقرات الرئيسية للشركات أصبح مشكوكاً فيه.
ومع ذلك فإن الهندسة المعمارية لمباني الشركات ربما تظل أقوى منهج في التعبير عن قيمة العلامة التجارية. والشركات القليلة، الكبيرة منها والصغيرة، التي تبذل الجهد في هذا المقام، تبرز فعلاً بصورة واضحة.
إن تاريخ العمارة الحديثة وتاريخ مباني الشركات مرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً. في عام 1910 أنشأ المهندس المعماري والمصمم الصناعي بيتر بيهرنز أول علامة تجارية منسقة في العالم لإحدى الشركات، وكان ذلك للشركة الألمانية AEG. واشتملت استراتيجيته على كل شيء من شعار الشركة إلى أدب التسويق إلى أنواع المنتجات, ولكن التصميم المعماري لبيهرنز هو الذي كان في الصدارة.
وكان معمل التوربينات الذي صممه في برلين في عام 1909 واحداً من العلامتين الرئيستين للحداثة. وكان المَعلَم الثاني هو مبنى شركة لاركين للطلبات البريدية الذي صممه فرانك لويد رايت في عام 1904 في مدينة بفالو في ولاية نيويورك، الذي أدخل الفكرة التي أصبحت الآن شائعة للغاية وهي القسم المركزي المكشوف الذي يضم المكاتب داخل المبنى. كانت مباني بيهرنز ورايت عبارة عن تصاميم إبداعية تتميز بالصرامة وتتألف من الحجر والزجاج، مبان ثقيلة وبسيطة وضخمة.
حاولت بناية جونسون واكس بلدنج، التي صممها رايت (1936- 1939) في مدينة راسين في ولاية وسكونسن خلق بيئة عمل دافئة، حيث احتوت على عدد قليل من الطبقات الهرمية، وأعمدة غريبة مكشوفة على شكل الفطر أسهمت في توفير المساحات، وزوايا منحنية منسقة، وجميعها استبقت الهندسة المعمارية المستقبلية الجديدة. ويظل مبنى شركة سيجرام في نيويورك، الذي صممه الفنان ميز فان در روهي (1954 – 1958) واحداً من أكثر ناطحات السحاب أناقة ونفوذاً، وهو عبارة عن صندوق زجاجي رائع، ويشتمل على لون منتج سيجرام مجسداً في زجاج خشن ملون بلون بني خفي.
كما شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ظهور المناطق المخصصة للشركات، التي ترتبط في العادة بالشركات المقامة داخل حرم خاص بها. كما أن إيرو سارينن (المهندس المعماري الذي صمم المبنى الفخم لشركة الطيران TWA داخل مطار جون كنيدي في نيويورك، الذي هو بالتأكيد أفضل تصميم للعلامات التجارية داخل المطارات على الإطلاق) رسخ معالم هذا النوع الفني حين صمم المركز الفني لشركة جنرال موتورز في مدينة وارين في ولاية ميتشجان (1948 – 1956)، وفيما بعد ذلك المباني داخل الحرم الخاص بشركة IBM وشركة Bell وشركة جون دير.
وتلا ذلك طفرة في ناطحات السحاب في العقود القليلة التالية، كما رأينا في سيرز تاور في شيكاغو (1974 – 1976)، من تصميم سكيدمور وأوينجز وميريل، ومبنى شركة AT&T في نيويورك (1984، الذي يدعى الآن مبنى سوني)، من تصميم فيليب جونسون، وهذه المباني هي أول تعبير رئيسي عن مدرسة ما بعد الحداثة في إطار نيو كلاسيكي.
لم ينتج عقد الثمانينيات عدداً كبيراً من التحف الفنية الرائعة، ولكنه على الأقل تخلص من بعض الأفكار المتطرفة. فقد بدأ المهندسون المعماريون في التكنولوجيا المتطورة بالتفوق على المباني الضخمة التي تميزت بها ثقافة الشركات الأمريكية الباهتة التي عفا عليها الزمن، على الأخص كما نرى في مبنى بنك هونج كونج وشنغهاي، من تصميم نورمان فوستر، ومبنى لويد من تصميم رتشارد روجرز.
هذا النوع من المباني، على ما يقال، لم يعد إلى سابق مجده بعد الانحسار الذي أصابه من قبل. ولكن تظل بعض الاستثناءات تعزز إمكانية ثقافة الشركات، ليس فقط من أجل تجسيد العلامة التجارية للشركة وشعارها، وإنما كذلك من أجل راحة الموظفين واعتزازهم، لتعزيز مركز مدينتهم.
ما يزال المبنى الرائع الذي صممه نورمان فوستر واحداً من أقوى مباني الشركات في العصر الحديث. وحين صمم الفنان الهيكل الخارجي، عمل على إخلاء المساحات الداخلية للمبنى وأنتج طوابق تنساب بحرية تطل على مناظر مذهلة عبر جزيرة هونج كونج. كما عمل التصميم كذلك على تحرير المساحات الأرضية، مما جعل القسم السفلي من المبنى طريقاً مختصرة خلال المناطق الكثيفة بشكل لا يصدق داخل هونج كونج، وميداناً عاماً يستخدم بكثافة في مدينة تندر فيها الأماكن المدنية المفتوحة. وإلى جانب مبنى لويدز الذي صممه روجرز، فإن مبنى بنك هونج كونج وشنغهاي زود حداثة تجارية متضائلة بإحساس من الجرأة والإثارة، ولكنه تمكن كذلك من استغلال نطاق مباني الشركات لإفادة الجمهور.

الأكثر قراءة