رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المستهلك بين سندان الوكالات ومطرقتها

[email protected]

القاعدة الأساسية في الاقتصاد الحر هي الأرضية المنبسطة القوية لإعطاء المنافسة حقها في إبراز الأفضل وتقدير العمل الدؤوب. يحدث التقدم الاقتصادي حينما تبدأ الأيادي الخفية بالعمل لمصلحتها في ظل منافسة عادلة مما يدفعها إلى العمل الجاد ومحاولة التميز، لذلك حينما يختل هذا التوازن تصبح المنافسة صعبة وتصبح الأعمال المربحة محتكرة مما يضعف الضغط الطبيعي للتقدم. يعتمد الاقتصاد السعودي على الاستيراد أكثر منه على التصدير (عدا قطاع النفط المملوك للقطاع العام)، ولذلك فإن جانب الواردات في المعادلة التجارية والاقتصادية في المملكة هو الأهم في العقود الماضية وحتى الحاضر والمستقبل المنظور إلى أن تصبح الصادرات (إنتاج القطاع الخاص) على الدرجة نفسها من الحجم والتعقيد.
أحد أهم ملامح الاقتصاد السعودي هو سيطرة عدد من بيوت التجارة القديمة والمتوسطة القدم على والوكالات التجارية المعروفة في كل القطاعات وجنى أرباح كبيرة وسهلة من خلال التمتع باحتكار وبحماية تحت مسمى وكيل حصري. تبرز هذه الاحتكارات في كل القطاعات ولكنها مؤثرة خاصة في قطاع السيارات والأدوية والمواد الاستهلاكية (غذائية وغير غذائية معمرة وغير معمرة).
يقول المثل الشعبي "من سبق لبق" فمن سبق يستفيد كثيرا ومن دون جهد يذكر، فالصيانة تقوم وتشرف عليها الشركة الأم والدعاية تتولاها الشركة الأم، أما الوكيل فيحصد ضريبة على المستهلك السعودي ثم يدعي أنه رجل أعمال ناجح، ولا يقف هنا، بل تجده ينقد مرة ويحث مرة الحكومة على السماح لأعداد كبيرة من الأجانب بالقدوم إلى البلاد لشراء المزيد والربح اليسير. الكثير من بيوت التجارة هذه كانوا فعلا روادا وعملوا وثابروا وأخذوا بعض المبادرات وحتى المخاطر، وقدموا خدمات اقتصادية واستحقوا عليها الربح الاقتصادي مقابل جهودهم، ولكن لما يصبح رجل الأعمال هدفه الأول حماية الوكالة والاحتكار، فإن روح المبادرة والمخاطرة بالعمل لإيجاد فكرة جديدة ذات قيمة مضافة في الاقتصاد تبدأ في الاختفاء، وضحية هذا الاختفاء هو النمو الاقتصادي الصحي. الجدير أن الكثير من الشركات العالمية لا يجد إشكالية كبيرة في هذا الاعتماد على وكيل متعاون لمصلحة الجميع، خاصة إذا تمكن هذا الوكيل الحصري من التغلغل بيروقراطيا في بلاده، فهذا الوكيل يقدم حماية قانونية من المستهلك ومشكلات العمالة ذات الطابع الخاص. الإشكالية في هذه الشراكة المريحة للوكيل والشركة العالمية أنها تأتي في أحيان كثيرة على حساب المستهلك السعودي والاقتصاد الوطني.
اعتاد المستهلك في الكثير من دول العالم أن يسمع أن الشركة طلبت هذا الموديل أو ذاك من السيارات لإصلاحه من قبل الوكيل مجانيا، يندر جدا أن نسمع بهذا في بلادنا، الكثير من السلع الاستهلاكية لا تخدم على أكمل وجه من قبل الوكيل الحصري الذي عادة ما يذكر أن الموزع هو المسؤول، والموزع يقول الوكيل هو المسؤول، فيصبح المستهلك تائها بينهما.
فرح البعض بأن انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية سوف ينهي هذه الظاهرة غير الصحية ولكن هذا الفرح أتى مستعجلا حيث إن المصلحة المشتركة عميقة وكذلك حقيقة أن منظمة التجارية العالمية ليست بهذا النفوذ الدقيق والسلطة القانونية التي يتصورها البعض، كما أن النظام التجاري العالمي مأزوم بقضايا أكبر وأهم، خاصة أن الشركات الأجنبية المؤثرة في وضع مريح مع رجل الأعمال، فليست هناك مصلحة لبلدانهم في تغيير هذا الواقع، بل إن المصلحة الوطنية هي للبلاد المستوردة وذات الاحتكار بأن تعمل على تغيير الوضع التجاري والاقتصادي لإضفاء مزيد من المنافسة والعدالة.
يبدأ التغيير من البيئة التنظيمية تجاريا، فالوكالة الحصرية يجب أن تكون من الماضي وغير (نظامية) ويحل عنها نظام تجاري يتطلب المنافسة الشريفة ويشجع عليها. وثانيا تكون حماية المستهلك هي الركيزة الأخرى. النتيجة العملية لهذا الإصلاح سوف تكون تنافسا في تقديم الأفضل للمستهلك وتفعيل رأس المال لمن استطاع تجميع رأس مال طيب مقابل هذه الأعمال المربحة نسبيا. لقد خدمت الوكالات الحصرية حقبة اقتصادية سابقة، ولكن البيئة الاقتصادية اليوم تختلف ونحتاج إلى أساليب أخرى للتعامل مع الوضع التجاري والاقتصادي في المملكة.
الأصل في التجارة هو المنافسة الحرة ولذلك فإن وزارة التجارة والجهات الأخرى ذات العلاقة مدعوة إلى تقويم الوضع التجاري لمزيد من الدعم للقدرة التنافسية للاقتصاد السعودي من خلال كسر الاحتكارات وحماية المستهلك.
عملية التحول الاقتصادي ليست سهلة ولعل هذه إحدى الخطوات المهمة والبسيطة نسبيا لتغيير منحنى الاقتصاد السعودي للأفضل.

- عضو الجمعية الاقتصادية السعودية

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي