رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التضخم .. لو كان رجلا ..

[email protected]

ألف الناس على مر السنين ظاهرة ارتفاع أسعار السلع والخدمات حيث أصبحت واقعا يعكس تحول المجتمعات من بسيطة إلى مجتمعات أكثر تطوراً تعتمد على وسائل إنتاج تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. غير أن تلك الظاهرة تتفاقم أحياناً وتستفحل وتأخذ منحى شرساً إن تهيأت لها عوامل تحت ظروف مالية واقتصادية معينة ما يلحق بالمجتمع أضراراً جسيمة تتآكل معها مداخيل أفراده إلى درجة يعجز فيها البعض عن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم. تلك العوامل منها ما هو محلي المنشأ، ومنها ما هو قادم لنا من الخارج، ومنها ما هو هجين من هذا وذاك. لكن على الرغم من ذلك التباين في مصدر العوامل إلا أنها تشترك في سمة واحدة وهي ارتفاع المستوى العام للأسعار Rise in the general price level أو ما يطلق عليه الاقتصاديون "التضخم" ما يميز تلك الظاهرة عن الحالات الأخرى التي يقتصر فيها الارتفاع على سعر عدد محدود من السلع.
ولعل من المفارقات اللطيفة في قضية التضخم أن الحديث عن ارتفاع تكلفة المعيشة في مجتمعنا في منبر عام كان إلى عهد قريب غير محمود وإن جاء من طرف خفي ! بينما اليوم لا تكاد تخلو صحيفة أو محطة بث تلفزيوني أو إذاعي من شاك أو باك مما حل بالأسواق من غلاء في الأسعار، وارتفاع في أجور الأيدي العاملة، وغيرها من الأسباب التي عكفت مؤخراً تدفع معدلات التضخم بوتيرة متسارعة إلى الأمام. كما حفلت ساحات الرأي بالكثير من الطروحات والمقترحات للتعامل مع مشكلة التضخم، قليل منها ما يصلح لتناوله بجدية، أما البقية فقد أتت مشحونة بعاطفة طغت على ما كان ينبغي من موضوعية ودقة في الطرح.
فقد طالب بعض التجار، على سبيل المثال، ضمن رؤيتهم للسيطرة على الأسعار أن تحاسبهم شركة الكهرباء بتعرفة تشجيعية وهي التي بالكاد تغطي مصروفاتها في ظل هيكل التعرفة القائم، وإن كانت من نتائج مرجوة لتلك الرؤية فلن تكون خفضاً في أسعار السلع في السوق بل عجزاً في توليد الكهرباء ما يعطي التجار وغيرهم ذريعة أخرى لرفع الأسعار! إن الأجور التي تتقاضاها المرافق العامة في المملكة تعد من بين الأقل في العالم، ومن ثم فإن أي خفض لها عن مستوياتها الحالية لن يحقق سوى تدهور في الخدمات واختناقات، وهناك تكون الطامة الكبرى إذ يصبح اقتصادنا كالمُنبتْ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
أما الاقتراح الآخر الذي نجد فيه شيئاً من عدم الدقة فهو مطالبة بعض التجار بإلغاء الرسوم المفروضة على المواد الغذائية في الوقت الذي أعفت فيه الدولة جميع المواد الغذائية الرئيسة من الرسوم الجمركية كالأرز، اللحوم والأسماك الطازجة والمبردة، الحيوانات الحية، الخضار والفواكه الطازجة، السكر، الشاي، البن، حليب الأطفال، الشعير، وغيرها، ليس ذلك فحسب، بل إن الكثير من تلك السلع يحصل على إعانة سخية من الدولة تزيد في مجموعها السنوي على (7) مليارات ريال. تلك الإعانات وما تبذله الدولة من جهود أخرى كثيرة لتخفيف أعباء المعيشة، وإن كانت بلا شك من مسؤولياتها تجاه مواطنيها، لا بد من الإشارة إليها والإشادة بها عندما يكون الحديث عن مشكلة التضخم كي لا يتكرر طرح مقترحات قد عُمل بها فعلاً.
إن معدلات التضخم التي نشاهدها اليوم مرشحة للصعود لدينا ولدى الآخرين إذ من طبيعة تلك الظاهرة أن تجد وقوداً ذاتياً يحركها دوماً إلى الأمام ما يجعل السيطرة عليها أمراً ليس باليسير. بالطبع هناك علاجات لابد من اللجوء إليها في المدى القصير إن لم تحقق الأدوات الأخرى كإعانة المواد الغذائية وغيرها التوازن المرغوب في السوق. من تلك العلاجات التي طُرحت تصميم حزمة من المساعدات المالية المباشرة لأولئك الذين يعجز دخلهم عن تأمين ضروريات الحياة. كما طُرح علاج آخر ينبغي المسارعة إليه وهو إعادة قياس القيمة الحقيقية للريال مقارنة بالدولار ومن ثم العملات الأخرى، إذ إن القيمة الحالية مضى على تثبيتها أكثر من 20 عاماً، وكنت قد تناولت موضوع سعر الصرف في مقال سابق ("الاقتصادية" في 27/11/2007م) ذكرت فيه أن المصلحة، وإن كانت تقضي بالمحافظة على العلاقة بين الريال والدولار، فإنها تدعو لمراجعة هادئة لتلك العلاقة لتحديد سعر صرف للريال يعكس بشكل عادل قيمته المقارنة.
هناك أفكار أخرى مطروحة على الساحة تستحق أيضاً أن تبحث بجدية، من بينها البدء في برنامج وطني عبر وسائل الإعلام، المدارس، ومنابر الجمعة لنشر ثقافة الاستهلاك الرشيد، توسعة دائرة المنافسة في استيراد المواد الغذائية، تأسيس وإدارة مخزون استراتيجي من السلع الرئيسة، توفير الأراضي اللازمة لبرامج التنمية كالصناعة والإسكان، وبرمجة المشاريع الكبرى للدولة ومؤسساتها في إطار يراعي الطاقة الاستيعابية للاقتصاد.
(كتب هذا المقال قبل صدور قرار مجلس الوزاراء أمس بإضافة بدل "غلاء المعيشة").

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي