ميزانيات المناطق ودخل الفرد
منتدى التنافسية الذي نظمته الهيئة العامة للاستثمار الأسبوع الماضي كان حدثاً بارزاً في المملكة، فقد كان فرصة لنا للتعرف على أفكار وآراء وتصورات قيادات عالمية بارزة في موضوع حيوي لمستقبلنا وهو (التنافسية)، أي كيف نكون مجتمعا يتقدم في مجالات حيوية تأخذه إلى الازدهار الاقتصادي الذي يتحول إلى رخاء اجتماعي حقيقي ينعكس على حياة الناس اليومية.
وانعكاس النمو الاقتصادي على حياة الناس تطرقت له المحاضرة الافتتاحية لليوم الأول في المنتدى، وكانت لأحد أبرز خبراء التنافسية في العالم، مايكل بورتر، فـ (بورتر) يرى أن المملكة تملك معظم المقومات الأساسية التي تؤهلها لموقع متقدم في التنافسية، وهذه المقومات مدعومة بتحول جديد للدولة والمجتمع، وقارن المرحلة الحالية التي تمر بها المملكة بالمرحلة التي شهدتها بريطانيا مع حكومة مارجريت تاتشر، حيث كانت تلك المرحلة مفصلية في تاريخ بريطانيا .. كما هي الآن في السعودية.
لقد جاءت تاتشر بـ (ذهنية جديدة) للإدارة الحكومية مصحوبة بتشريعات وأنظمة جديدة أدت إلى تخصيص الاقتصاد ورفع كفاءة إدارة الخدمات العامة مع خفض تكلفتها، وهذا أدى إلى تحويل مسار الاقتصاد إلى حقبة جديدة ساعدت بريطانيا على المحافظة على مكانتها الاقتصادية العالمية، وهذا التوجه، كما يقول بورتر، عملت الحكومات المتعاقبة على دعمه وتكريسه سواء كانت حكومات المحافظين أو العمال.
والمؤشر على نجاح التحول الذي قادته تاتشر يمكن الاستدلال عليه من تحول النمو الاقتصادي والتطور في قطاع الأعمال الخاصة إلى (برامج واقعية) رفعت مستوى الرخاء الاجتماعي المستدام ورفعت القوة الشرائية للناس وهذا أدى إلى تعظيم الدورة الاقتصادية وتطور القيمة المضافة.. وفي تصور بورتر أن السعودية لديها الملامح الأساسية لهذا التحول في بريطانيا، ويرى ضرورة التركيز على جوانب أساسية في إدارة التنمية وتوجيه الاقتصاد حتى نمضي في الاتجاه الصحيح.
من بين الأشياء التي وقف عندها ويرى أنها ضرورية لدفع القوة التنافسية لمجتمعنا، هي أهمية التحول من التخطيط الشامل للتنمية إلى التخطيط الذي يركز على البيئات المحلية، أي التنمية التي تنظر إلى الميزة النسبية لكل منطقة في المملكة، بحيث يتم إحداث توازن في التنمية بين جميع المناطق، وهذا توجه أطلقه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله وهو من المؤشرات التي يرى بورتر أنها تضع المملكة على الطريق الصحيح.
والتنمية المتوازنة هي التي تعتمد تطوير أنظمة مالية وإدارية محلية تنطلق وتسترشد بمظلة التنمية الأساسية، وهذه كانت مطلبا نادى به كثيرون في المملكة منذ سنوات وكل ما قاله بورتر يعزز القناعات الوطنية ويكرسها، خصوصا أنها تأتي من شخص محايد ينظر لأوضاعنا بتجرد، وهذا التوجه ضروري لأن متطلبات واحتياجات التنمية أصبحت أكثر تعقيدا وأكثر تكلفة، وعلى المدى البعيد لن تتمكن الميزانية العامة للدولة من الاستجابة لجميع المتطلبات الحيوية بالتكلفة والوقت المناسبين.. وستظل احتياجات الناس تتراكم وتكلفتها تتعاظم، فالتوجه إلى (ميزانيات المناطق) يخدم ما نتطلع إليه وهو تحويل التنمية الاقتصادية إلى مكتسبات حقيقية تؤثر في حياة الناس اليومية وتكرس الاستقرار الاجتماعي، وهذا هو المهم والمطلوب من برامج التنمية، ومما لاحظه بورتر في تحليله للاقتصاد السعودي أن هناك فجوة بين النمو الاقتصادي ونمو دخل الفرد، وهذا ربما يعطي الانطباع بأن الإنفاق الحكومي على برامج التنمية يعاني مشكلة حقيقية.