هل من صنيع لمَزارع أهلكها الصقيع؟
مع كل التطور الذي أحاط بمشاريع الري والزراعة واستخدام التقنية في تطوير المحاصيل كما ونوعا إلا أن تغير المناخ لا يزال العنصر الأهم في التحكم في المحاصيل الزراعية على مدار العام وعلى مر السنين. ولقد اجتمعت الأبحاث وتقارير المنظمات وإحصائيات الدول والمختصين في كتبهم وإنتاجهم العلمي على أن حالة الطقس ستظل أهم العوامل التي تواجه الإنتاج الزراعي حتى لو تطورت التقنيات واستخدمت الأساليب المختلفة لأن النباتات كائنات حية حساسة جدا لدرجة الحرارة ونسبة الضوء والرطوبة. في هذا السياق فقد مرت بالمملكة خلال الأسبوعين الماضيين موجة برد قارس نتج عنها هلاك لكثير من المحاصيل التي أتى عليها الصقيع وبالذات في المناطق الشمالية والشرقية والجزء الشمالي من المنطقة الوسطى. مع هذا التحول الذي يعتقد بعض المختصين أنه قد يتكرر خلال هذا العام والأعوام المقبلة فهل نحن أمام تغيير جذري للخطط المستقبلية في مواجهة مثل هذا التغير؟ إذا كان هذا بداية تحول أو تغيير للمناخ في المملكة ولا نستطيع لقضاء الله رداً بتفادي تغيرات الطبيعة فمن المؤكد أننا نستطيع حيال ذلك استعداداً, وخصوصا أن المناطق المتضررة محصورة في مساحة معينة من المملكة إضافة إلى أن الطبيعة الصحراوية وكمية الماء لا تساعدان على التنمية الزراعية بشكل واسع. مع علمي أن وزارة الزراعة تبذل الآن قصارى الجهود في كل واد ومجال نباتي وحيواني إلا أن واجبنا أن نبذل معها في الطرح ما يناسب ويفيد لنسهم بشكل مباشر وغير مباشر في الوصول إلى وضع خطط تنفيذية عاجلة ومن ثم استراتيجية عامة لحماية الأراضي والمزروعات.
أن موقع وزارة الزراعة على الإنترنت غني بالمادة التنظيمية والخبرية ولكن بعض المواد العلمية التوضيحية ذات الفائدة المباشرة, حيث لم أجد شرحا وافيا عن خطوات تفادي الصقيع سواء الربيعي أو الشتوي وتأثيراته في المحاصيل أو حتى إشارة عن أهمية مراجعة كتيب ما, أو إدارة ما للحصول على حلول عاجلة وكيفية حصر الخسائر من الآن فصاعدا! كما أنني لم ألاحظ شيئا عن كيفية تخزين المحاصيل والبذور للإفادة منها في زراعة الحقول الأخرى أو الجديدة للأعوام المقبلة أو حتى إعادة الاستفادة منها إذا ما تم استصلاح الأراضي. وهنا أتساءل إن كان المزارع البسيط يعي ما يجب أن يقوم به في مزرعته سواء كانت زراعته خضارا أم فاكهة أم حبوبا, ثم هل لديه أي خبرة عن مواعيد حماية المحاصيل إذا ما توافرت معلومات عن توقع صقيع خلال يوم أو أسبوع أو خلال الموسم؟ وهل يعلم المزارع أو أصحاب المزارع عموما عن تعدد السبل في التعامل مع الصقيع أو تساقط الثلوج في أسوأ الأحوال على أنواع النباتات المختلفة في المزارع المفتوحة أم المحمية؟ ثم ما الذي يجب أن يوفره لضمان نمو النبات بتوازن وتساو على مستوى الحقل بالكامل أو الحقول مختلفة المحاصيل؟. هل يتوجب توجيه الإنتاج النباتي إلى اقتصار الزراعة على ما يتحمل الظروف المناخية ويناسب نوعيات التربة أم نطور المفهوم فنستخدم التقنية والأساليب الحديثة فنستفيد من التغيرات لحصد محاصيل نوعية ومتنوعة؟ ماذا لو تسبب هلاك المحاصيل في انسحاب المزارعين من النشاط الإنتاجي بعد موجة البرد هذه؟ هل يمكن أن نتعامل مع المواسم من الآن فصاعدا بأسلوب منهجي ومستمر ونضع التوقعات أمام المستهدفين من المزارعين أو ملاك المزارع؟ إن زيادة قدرة المزارع أو مالك المزرعة على السؤال سيحسن عملية التقييم ويزيد من تطلعات المهتمين كافة ويعزز الإدارة ويفتح مجالات تسهم في إخراج سياسة زراعية اقتصادية مرنة وقابلة للتطوير, فالتأثيرات الاقتصادية هي أهم ما يتابع المزارع ويحرص عليها صاحب المزرعة, فهل يمكن تنمية هذه الخصلة فيهم ليتعلموا أن المناخ المشجع والمحفز للإنتاج المجود يرتكز على عوامل عدة منها أهمها الوضوح في الأفكار والسياسات والأهداف المشتركة والإجراءات وتعاون المؤسسات المدنية المختلفة ثم في تعاونهم مع الجهات المختصة لتذليل العقبات واستخدام التقنية والقيام بالتنبؤات المبنية على حسابات رياضية واتباع نظم سارية بعدالة على المستثمرين وأصحاب المزارع والمزارعين كافة وسهولة الحصول على المساعدات أو التمويل المناسب وتوفر الحوافز الاقتصادية.
أعتقد أن مسألة "الأمن الغذائي" التي بدأ الحديث عنها منذ فترة لن تفك رموزها لمجرد توافر منظور أو تحسن إجراءات لأنها وبصراحة عمليات عدة معقدة ترتكز إلى عوامل كثيرة مختلفة تتطلب منا جميعا المبادرة في تسليط الضوء عليها كل من جهته وفيما يعلمه وتخصص فيه وما الزراعة إلا أحد الأنشطة الإنتاجية إلا أننا لابد أن نوليها اهتماما كبيرا وخاصا. أعتقد أن علينا تكريس البحث العلمي باستغلال الموارد للتعامل مع المستجدات بكل ثقة, وقد أُثيرُ هنا قضية الاستفادة من الأقمار الصناعية السعودية التي أطلقت في النصف الثاني من العام الماضي (2007م)، حيث يمكن تبني تقنية الاستشعار عن بعد والبحث في مجالات وتخصصات لوضع آليات وحلول لحماية الأراضي الزراعية والمحاصيل. ثم محاولة وضع معايير لتطوير زراعة منخفضة التكاليف وبجهود أقل؟ وقد نتساءل هل من الأفضل أن تكون المحميات سبيلنا للزراعة لظروف المملكة الصحراوية والجافة؟
وأخيرا.. أتمنى على وزارة الزراعة المبادرة إلى تحديث موقعها على الإنترنت بما يعود على المستهلك والمزارع وأمثالهم بالفائدة المعلوماتية وتطوير مهاراتهم في التعامل مع التقنية واستخدام البرامج والتطبيقات الحاسوبية في أعمالهم كما يستخدمها بعضهم في متابعة وتحليل سوق الأسهم يومياً؟ آمل ذلك.