رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أعضاء الشورى ومعالجة المشاكل دون رؤية اقتصادية

[email protected]

يعتقد الكثير أن من كتب الرؤية الاستراتيجية لوزارة الاقتصاد والتخطيط والتي يقول مطلعها (سيكون الاقتصاد السعودي بحلول عام 2025م متنوعاً ومزدهراً يقوده القطاع الخاص) قد كتبها لتبرئة الذمة ليس إلا، فالرؤية في الموقع الإلكتروني للوزارة صعبة التطبيق، ودليل ذلك تضارب الحلول لأي قضية أو مشكلة تعترض البلاد بسبب عدم وجود سياسة اقتصادية وطنية ترسم الخطوط العريضة المحددة للتوجهات المستقبلية العامة للمنظومة الاقتصادية وترسي إطارا إرشاديا متكاملا يكون أساسا مرجعيا ملزما يضمن تواصل جهود تنمية المنظومة الاقتصادية وتعزيز أدائها نحو بلوغ الغايات المنشودة على المدى البعيد.
حكومة خادم الحرمين الشريفين أعلنت غير مرة أن الخصخصة هي الخيار الاستراتيجي الاقتصادي الأمثل الذي سيمكن البلاد من مواجهة التحديات الاقتصادية الحالية والمستقبلية في عالم أصبحت قوى السوق تشكل القوى الأكثر تأثيرا في توفير السلع والخدمات عالية الجودة بأسعار متناولة وفي الوقت المناسب، ولا شك أن قرار قيادتنا السياسية بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والجهود الكبيرة التي بذلتها لتحقيق هذا الانضمام يأتي في هذا السياق، وها هي الهيئة العامة للاستثمار تبذل جهودا كبيرة ومضنية ومتواصلة لتحسين البيئة الاستثمارية في بلادنا من أجل نشوء الكيانات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة والعملاقة القادرة على توفير أجود السلع والخدمات في بيئة تنافسية عادلة، وما مؤتمر التنافسية إلا أحد الآليات المستخدمة لتحقيق أهدف الهيئة النبيلة.
تمكين القطاع الخاص من قيادة الاقتصاد الوطني لتوفير أجود السلع والخدمات بأسعار متناولة في الوقت المناسب تستدعي العمل الجاد والمتواصل في مسارين مهمين وبشكل متواز، الأول إيجاد سياسة وطنية للمنظومة الاقتصادية معززة ببرامج استراتيجية تحقق تلك السياسة، والثاني التوعية بهذه السياسة لتكون أساسا مرجعيا ملزما يضمن تواصل جهود تنمية المنظومة وتعزيز أدائها.
عدم وجود تلك السياسة الملزمة والتوعية بها والحزم في تطبيقها عن طريق حث جميع الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية لبناء استراتيجيتها وقراراتها في إطار هذه المرجعية، كما فعلت الدول ذات التجارب الناجحة كماليزيا وسنغافورة، سيجعل التضارب في الآراء والتضاد في التطبيق هو السائد ما يؤدي إلى تشتيت الجهود وعدم تراكميتها لتحقيق الغايات المنشودة بمرور الزمن، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى تفريخ المزيد من المشاكل التي تجعل جهود إطفاء الحرائق دون رؤية وفاعلية تسود على جهود البناء والتعمير والتطوير، وهذا ما لا نريده لبلادنا ولمجتمعنا بحال من الأحوال.
أحمد الله سبحانه وتعالى على انتشار مفهوم التخطيط الاستراتيجي الذي يشتمل على التخطيط والتطبيق معا لدى الكثير من الأجهزة والمؤسسات الحكومية فضلا عن الخاصة، وهو ما جعلنا نسمع كل يوم عن إطلاق استراتيجية جديدة والشروع في تنفيذها مثل استراتيجية العلوم والتقنية، السياحية، التعليم، والصحة، والصناعة ومكافحة الفقر إلى غير ذلك من الاستراتيجيات، ولكن من المؤسف حقا أنك عندما تنظر في هذه الاستراتيجيات لا تجد الترابط المحقق للتكامل والتراكم المنشود، ذلك أن هذه الأجهزة والمؤسسات الحكومية والخاصة وغير الربحية بنت تلك الاستراتيجيات على فرضيات هي اعتقدتها للتوجهات المستقبلية للدولة وقامت في استخدامها لتحديد دورها المفترض في هذه التوجهات المفترضة، وبما أن الافتراض يتفاوت من جهة إلى أخرى حسب المتاح من المعلومات والقدرات التفكيرية في هذه المؤسسة أو تلك فأصبحنا نرى ما نراه من عدم ترابط وتكامل إن لم يكن تضاد.
هذا الوضع جعل الجميع دون مرجعيات ثابتة وواضحة، وجعل الجميع يفترض، وجعل الجميع يعود لمخزونه التفكري وتجاربه الشخصية الناجحة في حقبة من الزمان ذات ظروف مختلفة تمام الاختلاف عن ظروفنا الحالية، وهذا ما أدى إلى تشتيت الجهود وتضاربها، وهو ما جعل المستثمر المحلي والأجنبي والذي نعمل جميعا على جذبه للاستثمار في بلادنا في حيرة من أمره، فهو لا يستطيع أن يحدد الاتجاهات المستقبلية للدولة بشكل عام فضلا عن الاتجاهات المستقبلية لبعض أجهزة الدولة في بعض القضايا الاقتصادية وغير الاقتصادية، وهو ما يجعل بعض كبار المستثمرين يحجمون أو يعزفون عن الاستثمار في بلادنا.
ولنأخذ القضية الإسكانية مثالا على ذلك، ما هو الاتجاه العام لمعالجة المشكلة الإسكانية لتمكين المواطن من الحصول على المسكن الملائم في الوقت المناسب بضمان دخله الشهري لتحسين مستوى معيشته وبما يعزز من قوة الاقتصاد الوطني؟ لا أحد يعرف، فهل الاتجاه يهدف لتعزيز قوى السوق لتلعب دورها في توفير المنتج عالي الجودة معقول التكلفة المتناول من خلال آليات تمويل تمكن الراغبين بشراء المساكن بشرائها بضمان دخولهم الشهرية؟ أم أن الاتجاه يهدف لتعزيز دور الحكومة كمطور وممول لمعالجة تلك القضية في أسرع وقت وإضعاف قوى السوق وتهميش دورها؟ الحقيقة ما يقال شيء وما نراه شيء مختلف تماما سواء من السلطة التنفيذية أو من الجهة الاستشارية المتمثلة بمجلس الشورى.
وما أحزنني حقيقة ما قاله بعض أعضاء مجلس الشورى بخصوص معالجة القضية الإسكانية، وهم من نعتقد أنهم يمثلون الجانب الاستشاري لحكومتنا الرشيدة لصناعة قرارات أكثر جودة للتصدي للقضايا ومعالجة المشاكل، حيث طالبوا الحكومة (وهي من اختارت الخصخصة استراتيجية لها) لتمويل وتطوير المساكن بكميات تصل لمئات الآلاف في فترة وجيزة، فهل من الخصخصة اختيار سياسات تقتل القطاع الخاص الذي بدأت براعمه تنمو تدريجيا في هذه السوق المهمة والحيوية؟ وهل من الحكمة اقتراح الحلول دون التقيد برؤية واضحة لتوجهات اقتصادنا الوطني؟ هذا ما أرجو من عضو مجلس الشورى المهندس عبد الرحمن الزامل أن يجيبنا عليه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي