12 ألف ريال لكل مواطن
حاولت وزارة التجارة "تأخير" الزيادة المتوقعة في أسعار الألبان والحليب في محاولة لا تخلو من حسن النية والبُعد عن واقعية الاقتصاد. قادني هذا التطور في أحداث التضخم إلى التفكير الأمثل للتعامل مع قضية التضخم القاسية على الكثير من المواطنين. تتلخص القضية في موجة حادة في ارتفاع الأسعار عالميا، ومنها استفادة المملكة من ارتفاع العوائد النفطية وحالة احتياج الكثير من المواطنين، خاصة أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة. هذه الثنائية (التضخم وارتفاع عوائد الحكومة) أوقعت الحكومة في حرج في ظل غياب الحلول المثالية اقتصاديا. ولذلك تجد فوضى في الفكر الاقتصادي، فهذا يدعو إلى زيادة الرواتب، وهذا يدعو إلى تعديل أسعار الصرف مقابل الدولار أو حتى فك الارتباط بالدولار، وآخر يدعو إلى دعم المواد الغذائية متناسيا أن المواطن والمقيم يأخذان نصيبا كبيرا من الدعم غير الاقتصادي في قطاعات كثيرة. كل هذه الحلول تفشل بدرجات متفاوتة في الوصول إلى الحل الأمثل. هذه الحلول تجمع بين تشويه الاقتصاد بالدعم غير المتوازن تارة بين المواطن والمقيم، وتارة أخرى تفصل بين دخل النفط وحاجة المواطن المباشرة، وأخيرا البعض منها لا يتعامل مع التضخم مباشرة، وتفشل في ربط الاقتصاد بالاستحقاقات المستقبلية.
إحدى خصائص الاقتصاد السعودي اليوم كثرة أعداد المقيمين المستفيدين من الدعم، وهم بذلك يشاركون المواطنين في الاستفادة من هذا الدعم، وكذلك فقر المعلومات عن المواطن المحتاج فعلا للدعم من غيره. أهم مصادر الدعم هو أسعار الوقود (تستهلك المملكة نحو مليوني برميل مكافئ يوميا) من النفط الذي يباع بأسعار زهيدة، وكذلك الدعم للكهرباء والماء، كذلك تجد أعداد الموظفين الحكوميين في تزايد وقلة إنتاجية. من ناحية اقتصادية هذا يعد أسوأ أنواع الدعم، حيث يسهم في الإسراف وتلويث البيئة والتهريب ومساواة المواطن مع المقيم، ما يشجع المقيم ويعوق السعودة. ومن دون تحرير الاقتصاد السعودي من الإدمان على الدعم ستستمر التشوهات الهيكلية في الاقتصاد وتجعل من الحلول الجزئية المقترحة على صفحات هذه الجريدة وغيرها تبقى جزئية ولها نتائج هامشية، وأحيانا كثيرة لها أضرار أكثر من نفعها. إعادة العافية إلى الاقتصاد هيكليا لا تعني أبدا عدم تقديم الدعم لمن يستحقه، وفي هذا خلط كثير، حيث يعتقد الكثير وحتى من الاقتصاديين أن إعادة هيكلية عميقة من خلال رفع الدعم عن الوقود والمنافع ستضر بالمواطن المسكين. بل العكس تماما هو الصحيح إذا كان الهدف التوازن الصحي بين حاضر ومستقبل المواطن والوطن. الدعم سيبقى صفة ملازمة للاقتصاد السعودي في السنوات المقبلة على المدى المنظور، ولكن لبّ الموضوع هو في طبيعة الدعم (ذلك الذي لا يخدم الإنتاجية، يقلل تصدير النفط، يساعد في التلوث، ويقود للإسراف... إلخ)، وطريقة توزيعه من الكل إلى المحتاج ومن الجميع إلى المواطن.
عمليا سينشأ اقتصاد أكثر ارتباطا بين الإنتاج والتكاليف وأكثر استعدادا للمستقبل. ماليا ستجمع الحكومة مليارات الريالات، إضافة إلى ما استطاعت جمعه من الزيادات غير المتوقعة من العوائد النفطية، فكل دولار زيادة في سعر النفط يرفع العوائد الحكومية بمقدار نحو عشرة مليارات ريال سنويا. أكبر إشكالية في رفع الرواتب أنها ستفيد فقط موظفي الحكومة، وفي هذا عدم عدالة لغير موظفي الحكومة من المواطنين، خاصة أن الحكومة تسعى إلى تشجيع المواطنين على العمل في القطاع الخاص.
تعد العوائد النفطية ريعية، أي أنه ليس لنا دور يذكر في تحصيلها، لذلك فهي توزيعية في الأساس. اقتصاديا أفضل أنواع الدعم هو المباشر لمن يحتاج إليه أولا دون تشويه في الهيكل الاقتصادي بأقل تأثير سلبي مستقبلا. لذلك يستحسن توزيع أموال مباشرة على المواطنين كافة. عوائد 20 دولارا من أسعار النفط في السنة تعادل نحو 200 مليار ريال (نحو ربع العوائد النفطية فقط)، وإذا قسمنا هذا المبلغ على نحو 17 مليون سعودي فإن نصيب كل فرد 12 ألف ريال سنويا، ستعوض الحكومة جزءا كبيرا من خلال رفع الدعم عن الوقود والمنافع. يدفع ما مجموعه نحو 12 ألف ريال لكل مواطن ومواطنة حتى يصل المجتمع إلى معرفة دقيقة لمن يستحق الدعم ومن لا يستحقه، وهذا لن يحدث قبل سنوات ليست قليلة (يفضل حذف الموسرين ماليا تدريجيا). إعطاء المواطن مباشرة من خلال بطاقة العائلة الموثقة عمل إجرائي سهل دون تكاليف تذكر، عدا ذلك سيلجأ الكثير للتلاعب و(يحدد المستفيدون بسبعة أو ثمانية أفراد للعائلة على أن يراجع العدد بعد خمس سنوات بغرض التقليص لكيلا يأخذه البعض كرخصة لتزايد في السكان). لعله تحد للقيادات الاقتصادية أن يأتوا بحل (أنسب) اقتصاديا و(أسهل) إجرائيا وأكثر ربطا بين خيرات البلاد ومصلحة الحكومة والمواطنين من هذا الاقتراح في زمن مقبول.