بوابتان من ثمار التخصيص

تستأثر الموانئ بمكانة استراتيجية مميزة ضمن منظومة التجارة الدولية في ظل الزيادة المتنامية للبضائع والسلع المنقولة بحراً التي يبلغ معدلها أكثر من 4 في المائة سنوياً يدعمها الانخفاض المتواصل في أجور الشحن عن طريق البحر الذي أصبح وسيلة النقل الأقل تكلفة في العالم، إضافة إلى سرعة تلك الخدمة وانتظامها. وتعد شبكة الموانئ السعودية في مجموعها الأكبر على نطاق الشرق الأوسط، كما أنها تضطلع بدور مهم في تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني إذ يمر عبرها سنوياً نحو 95 في المائة من الواردات والصادرات (عدا النفط الخام). وحسب الموانئ أن تكون بوابات التجارة والتنمية، من أوائل المواقع التي تتفاعل على ساحتها أدوات المنافسة الاقتصادية لأي دولة مع العالم الخارجي، إذ إن نجاح الموانئ لا يعتمد فقط على طاقتها أو تكلفة خدماتها ولكن على مرونتها في التعامل وسرعة استجابتها للمتغيرات في السوق.
لذا لم يكن من سبيل الصدفة أن بادرت المملكة إلى تخصيص خدمات الموانئ كأول برنامج تخصيص للمرافق العامة السعودية في شهر شباط (فبراير) عام 1997م عندما صدر الأمر السامي بالموافقة على أسس وضوابط ذلك البرنامج التي من أبرزها التأكيد على عنصر المنافسة، توفير الحوافز للقطاع الخاص للاستثمار في التجهيزات والمعدات لرفع الإنتاجية، تدريب الأيدي العاملة الوطنية، واستمرار ملكية الدولة للموانئ وبقاء دورها الإشرافي.
اليوم وبعد مرور عشر سنوات على إطلاق برنامج تخصيص خدمات الموانئ، يمكن القول بثقة إنه حقق الكثير من الإيجابيات، ليس فقط من منظور النتائج المعلن عنها و التي لمسها المتعاملون من رجال الأعمال والشركات الملاحية في رفع كفاية الأداء، بل أيضاً في الشكل التنظيمي للبرنامج الذي راعى الجوانب الإنسانية والاجتماعية للتخصيص، ووفر أدوات للرقابة والمحافظة على المال العام عبر عدة قنوات أهمها الشفافية، المنافسة، واستمرار الدولة في دورها الإشرافي دون الإخلال بحق المستثمر في إدارة المرفق وتشغيله بأسلوب تجاري تحكمه معايير الربح والخسارة.
لكن إيجابيات برنامج التخصيص لا تقتصر على تلك المحاسن وما تحقق من إنجازات في أداء المنشآت والتجهيزات القائمة فحسب، ذلك أن آلياته قد هيأت الأرضية وبيئة العمل الصالحة لجذب المزيد من الاستثمارات على نحو مستمر لمواجهة النمو في الطلب، تقديم خدمات جديدة، أو تحديث أساليب وأنماط استبقها الزمن. وهناك أمثلة كثيرة لتلك الاستثمارات، لعل أحدثها مشروع "بوابة البحر الأحمر" الذي أبرم عقد تنفيذه في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي لإنشاء وتشغيل محطة حاويات (كونتينرات) في ميناء جدة الإسلامي بتكلفة تزيد على 1.7 مليار ريال ممولة بالكامل من القطاع الخاص. ومن المتوقع أن تؤدي أرصفة وتجهيزات ذلك المشروع إلى زيادة طاقة مناولة الحاويات في الميناء بنسبة 45 في المائة أو ما يعادل مليوني وحـدة في السنة، ورفع وتيرة المنافسة ما يحقق منافع متعددة أهمها تقليص فترة بقاء السفن في الميناء ومن ثم خفض أسعار الشحن لواردات المملكة وتعزيز القدرة التنافسية لصادراتها الصناعية في الأسواق العالمية.
هناك استثمار آخر لا يقل أهمية عن مشروع "البوابة البحرية" أيضاً كُشف النقاب عنه في الآونة الأخيرة عندما دشن وزير المالية في 25/11/2007م مشروع البوابة الإلكترونية التي أُطلـق عليها اسم "سنام". تلك البوابة تشكل نقلة نوعية في الأساليب المتبعة حالياً لتناول مستندات البضائع الواردة والصادرة ابتداء من نقطة المنشأ وانتهاء بتسليمها لأصحابها، إذ سيتم الاستغناء عن الكثير من الخطوات الورقية المرهقة للمستفيدين من خدمات الموانئ. ذلك التحول إلى التعاملات الإلكترونية في نقل معلومات "المنافيست"، أذونات التسليم، وبيانات الاستيراد والتصدير سيسهم في تعزيز تنافسية الموانئ ومكانة المملكة كمركز مهم في التجارة الدولية، كما أنه سيمهد للقفزة المنتظرة في حركة حاويات المسافنة Transshipment، وهي العابرة إلى وجهات أخرى عدا السوق السعودية سواء كان ذلك بحراً أو عن طريق الجسر البري الرابط بين ميناء جدة الإسلامي وبين ميناء الملك عبد العزيز في الدمام.
الجدير بالذكر أن فكرة تبادل المعلومات إلكترونياً بين الجهات المرتبط نشاطها بالتجارة البحرية نشأت كمبادرة من المؤسسة العامة للموانئ إثر إطلاق برنامج التخصيص. وكانت الخطوة الأولى في ذلك السياق حينئذ النص ضمن الالتزامات التعاقدية للمستثمرين على تبادل البيانات إلكترونياً مع جميع الجهات ذات العلاقة بخدمات كل محطة، تلتها خطوة أخرى للتنسيق مع تلك الجهات وفي مقدمتها مصلحة الجمارك بالاشتراك مع وزارة المالية، غير أنه رئي بعد عدة اجتماعات توسعة نطاق المشروع وإسناد تلك المهمة لصندوق الاستثمارات العامة مالياً وفنياً.
الشاهد هنا في مشروع البوابتين أن برنامج التخصيص يعد المحرك الأساس في جذب استثمارات جديدة لتطوير العمل في الموانئ سواء كان مصدر تلك الاستثمارات من القطاع الخاص أم من مؤسسات حكومية، وهو دور ستزداد أهميته، بإذن الله، مع النمو المستمر لاقتصاد المملكة وتجارتها الخارجية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي