التغيرات الاجتماعية وضرورة التحول للامركزية
موجة الصقيع التي اجتاحت البلاد في الأسبوع الماضي لم يتوقع أن تكون بهذه الحدة. لقد أحدث هذا التغير المفاجئ في المناخ إرباكا ومعاناة للكثيرين، وهذا ديدن الأمور التي تأتي على حين غرة ولا يكون هناك متسع من الوقت لاستيعابها والتكيف معها. إن عملية التكيف تتطلب وقتا وجهدا واستعدادا يعتمد على التنبؤات المستقبلية، وكلما كانت الرؤية بعيدة المدى كان ذلك أدعى للإعداد الفاعل لاحتواء المستجدات والتخفيف من تأثير التغيرات. التغير في الطقس يذكرنا أن التغير سمة الحياة ففي كل طالع شمس تتبدل الأحوال وتتغير الأوضاع ولا تستمر على وتيرة واحدة. من لا يتحسب لهذه التغيرات ويتكيف معها يصيبه الإعياء والمرض بل قد يقضي عليه. إنه نموذج واضح نستشفه من واقع الحياة اليومية ونحسه في تقلبات الفصول المناخية، وأن على الإنسان والحيوان والنبات التكيف مع هذه التغيرات من أجل البقاء. المخلوقات التي تكون أكثر قدرة على التكيف هي التي تنجح في صراعها مع البيئة ويقدر لها العيش، بينما الأقل قدرة يكون مصيرها الفناء والاندثار حتى وإن كانت بعظم وحجم وقوة الديناصورات. إنها الحقيقة الثابتة وإحدى سنن الله في الكون، سنة التغير والتبدل وعدم ثبات الحال، ومن يعي هذه الحقيقة يعلم جيدا أن عليه عدم الركون إلى المعتاد والمألوف لأنه حتما يوما ما ستتبدل الأحوال وبالتالي من الضروري الاستعداد لهذه التغيرات والتصدي لها بل حتى جعلها تكون في مصلحته، تماما مثلما نبني السدود أو نستخدم السفن الشراعية أو الطاقة الشمسية لنستفيد من تقلبات الطقس ونطوعها لفائدتنا. إن من السهل التعرف على التغيرات الجوية حتى المفاجئة منها لأننا نحسها ونراها وبالتالي يمكن رصدها والتنبؤ بها والتكيف معها، إلا أن التغيرات الاجتماعية أكثر تعقيدا وصعوبة، كونها تحدث تدريجيا، تتراكم مع مرور الوقت فلا نشعر بها ولا ينتبه لها ولا تتضح خطورتها إلا حين تصل إلى مستوى فلا يمكن مواجهتها والسيطرة عليها واحتواؤها بل تكون قد تحولت إلى طود كبير واستشرت وضربت بجذورها أعماق الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرت وبدلت القيم الثقافية للمجتمع وطريقة التفكير والسلوك. وإذا لم يكن هناك نظم جديدة وآليات للتعامل معها تكون شرا مستطيرا مثل السيول الجارفة التي تكونت من حبات المطر الصغيرة فإذا لم تكن هناك سدود واقية تحبسها وتسيطر على تدفقها تكون خطرا داهما تقتل وتدمر من يقف في طريقها. ولذا يكون الركون للمألوف اخطر ما يواجه المجتمع، فالغفلة والانغلاق على النفس والركود وجمود التفكير والعيش في دائرة ضيقة والتوهم أننا بمنأى عن التغيير ليقع ما لم يكن بالحسبان ويؤخذ المجتمع على حين غرة لتتبدل الأمور وينفلت زمامها من دون القدرة على السيطرة عليها. إن من الخطأ الاعتقاد أن رفض التغير قوة والوقوف في وجهة حكمة وإحساس بالمنعة وحفاظ على الثوابت.
إن استمرار النظم الاجتماعية وبقائها مرهون بقدرتها على إدراك التغيرات الصغيرة الحدية والعمل على إيجاد آليات جديدة للتعامل معها. لا نستطيع أن نفترض أن الأمور تبقى على ما هي عليه أبد الدهر فالمجتمعات مثل الأفراد تنمو وتتطور من مرحلة نضج إلى أخرى أعلى منها. المجتمعات التي لا تعد نفسها للمستقبل وتستوعب التغيرات مثلها مثل الأشخاص الذين يأنسون للمألوف ويكرهون التغيير ويرفضون إعداد أنفسهم للمستقبل يبقون في المستويات الأدنى يندبون حظهم، والحقيقة أن الحظ مزيج بين القدرة والفرصة، فأولئك الذين يتحينون الفرصة يعملون على تطوير قدراتهم حتى إذا ما وافتهم الفرصة المناسبة كانوا على موعد معها وعلى أهبة الاستعداد لاقتناصها. والمجتمعات لا تختلف عن ذلك كثيرا، فالدول المتقدمة تكون أكثر استعدادا وقدرة على التكيف وتحين الفرص مقارنة بالدول الأقل حظا. إن التغير حقيقة لا مفر منها يجب إدراكها والإعداد للمستقبل واستباق الأحداث وجعلها تعمل لصالحنا وتجنب سلبياتها قبل أن تقع الفأس بالرأس. عملية الإعداد للمستقبل تقتضي التخطيط وهو أمر في غاية الضرورة والصعوبة. المشكل الذي نواجهه عند الحديث عن التغيير والتطوير أنه يدور في إطار المألوف دون التفكير خارج الصندوق والبحث عن حلول ومعالجات جديدة إبداعية. قد يكون من أهم التغييرات المطلوبة في المجتمع النظام الإداري وعملية صنع القرار العام. فهذه القرارات لها تأثير كبير في تنظيم وتطوير المجتمع. لقد مضى علينا ردح من الزمان تفردت فيه البيروقراطية العامة بعملية صنع القرار دون مراقبة اجتماعية ومشاركة شعبية، حتى أصبحت فيه البيروقراطيات سيدة الموقف والآمر الناهي على المواطنين بدلا من العكس، ذلك أن رضا المسؤول داخل الجهاز الإداري مقدم على رضا المواطن. لقد كان ذلك مقبولا عندما كانت الأمور بسيطة غير معقدة يمكن السيطرة عليها، إلا أن الأوضاع لم تعد كما كانت عليه فهناك زيادة كبيرة في عدد السكان يعيش غالبيتهم في المدن تحولت معها المجتمعات التقليدية الصغيرة إلى مجتمعات حضرية كبيرة لها سماتها الاجتماعية والاقتصادية المميزة ومتطلباتها ومشاكلها الخاصة بها. وفي ظل التقدم التقني والعولمة أصبح هناك تغير ثقافي وتواصل مع الشعوب الأخرى فتبدلت المطالب ومستوى وطريقة التفكير وظهر الاختلاف والتنوع الثقافي بين الناس وتشابكت مصالحهم وضعف دور الأسرة وقويت الاستقلالية الفردية. كل ذلك يحتم البحث عن آليات جديدة للضبط الاجتماعي. إن كثيرا من المشكلات التي نعانيها هي بسبب الإصرار على انتهاج المركزية الشديدة في عملية صنع القرار العام والاعتماد على البيروقراطيات الجامدة في حلها مع تغير الظروف والمعطيات. إن المركزية تعني استئثار الأجهزة المركزية بصناعة جميع القرارات دون أن يكون هناك هيئات محلية تتمتع بالصلاحيات والاستقلال المالي والإداري ما يجعل القرارات أقل استجابة وفاعلية لمتطلبات المواطنين. فالعبرة هنا ليست بحجم المخصصات التي تجود بها الدولة ولكن أولوية الإنفاق على المشاريع المحلية المختلفة. هكذا يعلمنا الملك عبد العزيز القائد الموحد، يرحمه الله، بحكمته وفطنته وحسه السياسي حين ينتهج اللامركزية أسلوبا للحكم مرددا مقولة "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب". ولئن كان عدد سكان المملكة لا يتجاوز مليونين عند توحيدها فإنه يصل الآن إلى ما يقارب 27 مليونا وتتوقع إحصائيات الأمم المتحدة أن يصل عدد السكان في عام 2040م إلى ما يقارب 45 مليون نسمة، 88 في المائة يعيشون في المدن، فإن انتهاج اللامركزية يكون أمرا حتميا. إن هذه التغيرات وحدها تشير إلى أهمية تضييق نطاق الإشراف لضمان الكفاءة والفاعلية في الضبط والسيطرة الاجتماعية وتقديم الخدمات المطلوبة نوعا وكما. وهذا لا يتأتى إلا من خلال تكوين هيئات محلية مسئولة عن إدارة المجتمعات المحلية ورعاية مصالحها ضمن نطاق جغرافي محدد وموثق قانونا. إن من الضروري أن يكون هناك هرمية في عملية صنع القرار والتفريق بين القرارات المحلية والإقليمية، وتلك المتعلقة بالمستوى الوطني. الوضع الإداري الحالي لا يعترف بهذا التمايز بين المستويات المختلفة حتى إن الأجهزة المركزية تقوم بكل الأدوار المحلية والمناطقية والوطنية، ومن ثم فلا عجب أن تتم صناعة القرار المحلي مركزيا! هذا الوضع جعل المجتمعات المحلية مسلوبة الإرادة متراخية، اتكالية لا تقوى على القيام بالتنمية المحلية. إن كثيرا من المشاكل التي يعانيها المجتمع مثل الإرهاب والمخدرات والسطو والتلوث هي في أساسها محلية ولو كانت هناك هيئات محلية منتخبة مسؤولة عن إدارة المجتمع المحلي مستقلة ماليا وإداريا لأمكن السيطرة بل والقضاء عليها في مهدها، إذ إن عدم مشاركة الأفراد في المجتمعات المحلية في عملية صنع القرار جعلهم لا يمتلكون المشكلة ولا يهتمون بالقضايا العامة وافتقدوا ثقافة الاختيار العام (المصلحة العامة) وانحصر اهتمامهم وفهمهم في القرارات الخاصة المتعلقة بمصالحهم الخاصة استهلاكا واستثمارا. غياب النظرة الجماعية وعدم إدراك المصلحة العامة هما جوهر المشكلات التي نواجهها في المدن سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو فنية. وما على الشخص إلا أن يتتبع أي قضية أو مشكلة ليدرك أن سببها قصور في صناعة القرار وإهمال في المتابعة لبعدها عن مكان الحدث ولا تتصل بمصالح الناس اليومية المحلية. إن أفضل طريقة لمواجهة التغيير هو إحداث التغيير نفسه! والاهم هو مقداره واتجاهه. إن هناك حاجة لتغيير جوهري في النظام الإداري وليس تطويره الشكلي والدوران في فلك المركزية بمعالجة المشكلات البيروقراطية بإنشاء بيروقراطيات أخرى، ولكن بمنح صلاحيات وسلطات لهيئات محلية مستقلة تدير الشؤون المحلية ومسؤولة عن تحقيق مصالح سكان المدن.