رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مؤشر الثقة والأبحاث الاستثمارية

[email protected]

ضمن حلقات تطور القطاع المالي في منطقة الخليج، بدأت مؤشرات التوجه نحو الحرفية في الظهور حديثاً من خلال الاهتمام المتزايد للبنوك والشركات الاستثمارية والتجارية بإصدار أبحاث الاستثمار، التقارير الاقتصادية، وتقييمات الأداء المرتبطة بالاقتصادين الكلي والجزئي. ففي الفترة التي سبقت الاهتمام الشعبي المتزايد بأسواق المال والقنوات الاستثمارية منذ عام 2003، لم يكن هناك ذلك الاهتمام الواسع بأسواق المال والمعرفة المالية والاقتصادية لعدة أسباب منها كون المهتمين بسوق الأسهم في الفترات السابقة ينتمون إلى شريحة ديموجرافية أكبر سناً أخذت في الاعتماد على مصادر غير علمية وعلى الحدس في أحيان كثيرة لاختيار مختلف الاستثمارات والحكم على أداء مختلف الشركات.
ومن الأسباب الأخرى التي أسهمت في غياب الاعتماد عن الأبحاث العلمية قلة المؤسسات المالية، حيث إن القطاع المالي كان يرتكز ولسنوات طويلة على عدد محدود من البنوك التجارية الشاملة فقط مع غياب البنوك الاستثمارية المتخصصة وشركات التأمين التي تلعب دوراً كبيراً في العمليات الاستثمارية في أي اقتصاد توجد فيه، أي أن هيكل القطاع المالي المبني على احتكار القلة لا يوفر حافزاً للمؤسسات المالية لتوفير خدمات إضافية تشكل ميزة تنافسية لجذب العملاء والمستثمرين وتطوير الثقافة الاستثمارية للأفراد والشركات.
كما أن من المهم الإشارة إلى أن غياب البيئة التنظيمية والتشريعية سابقاً، أي قبل إنشاء هيئة سوق المال كان يؤدي بدرجة كبيرة إلى فقدان الثقة والمصداقية في الأبحاث والتوصيات التي تصدر من مؤسسات مالية غير مرخص لها بالعمل في السوق المالية رسمياً، باستثناء المؤسسات الاستثمارية والمالية الإقليمية والدولية التي تتمتع أبحاثها بسمعة ومصداقية في مجتمع الأعمال منذ وقت طويل كبنك إتش إس بي سي، مكينزي، شركة الخليج للاستثمار، البنك الأهلي التجاري وغيرها.
ومن الجدير بالذكر أن من أسباب الاهتمام المتصاعد بالأبحاث الاقتصادية والمالية المبنية على أساس علمي في أسواق دول الخليج هو الدرس المؤلم الذي تعلمه صغار المستثمرين من الاستثمار العشوائي والاعتماد على التحليل المبني على التفكير بالتمني والعواطف خلال سنوات الفقاعة التي انفجرت في النصف الثاني من عام 2005 والربع الأول من عام 2006 في الأسواق الخليجية عموماً. فالمستثمر الذي اتبع تقييمات وتوقعات الأبحاث العلمية المحترمة يجب أن يكون في وضع نسبي أفضل بناء على أداء الأسواق الخليجية في الأعوام الثلاثة الماضية من حيث اختيار منتجات الاستثمار المستهدفة والمدى الزمني للاحتفاظ بها والسعر المستهدف لبيعها مع العلم أن أداء مختلف الأسهم والأسواق كان متبايناً وتعرض لهزات نظامية طالت الأسواق وجميع الشركات والمنتجات الاستثمارية المدرجة فيها Across the Board، إلا أن المحصلة النهائية للمنتجات الاستثمارية المبنية على أساسيات مالية صلبة ما زالت تحقق عوائد مرتفعة.
ومن ضمن التقارير الاقتصادية المتوافرة بشكل كبير في الاقتصاديات المتقدمة تبرز تقارير الثقة بالاقتصاد، حيث يتباين هنا تعريف الثقة بالاقتصاد بين مختلف الأبحاث والتقارير تبعاً للمنهجية المتبعة، إلا أن النتائج يجب أن تكون متقاربة نتيجة لالتقاء وتقارب محددات الثقة لقطاع الأعمال في العالم جراء العولمة التي وحدت المفاهيم والرؤى الاقتصادية في الوقت نفسه الذي قاربت فيه بين تكلفة عناصر الإنتاج وأسعار بيع المنتجات في مختلف مناطق الأرض الجغرافية.
ولتناول مؤشر الثقة بدول مجلس التعاون الخليجي المفتقرة إلى الأبحاث المتخصصة مقارنة بالمناطق الجيو- استثمارية الأخرى، فقد أوردت "الاقتصادية" في عدد 12/1/2008 قراءة لمؤشر بنك إتش إس بي سي HSBC لثقة الشركات بمنطقة الخليج للربع الرابع من العام الماضي 2007 والذي أظهر تراجع ثقة الشركات بمنطقة الخليج مقارنة بالربع الأول من العام نفسه نظراً لتسارع التضخم، تحديات توفير الموارد البشرية، واحتمالات إعادة تقييم أسعار الصرف.
حقيقة، إن قلق الشركات وتأثر معدلات الثقة بالاقتصاديات الخليجية منطقي في الوقت الراهن أخذاً في الاعتبار المؤشرات الاقتصادية الكلية والجزئية. فالنمو الاقتصادي السريع مع غياب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية في دول الخليج خلال السنوات الخمس الماضية أدى إلى ارتفاع مستويات المعدل العام للأسعار "التضخم" بجزئيه، المحلي الناتج عن تفوق إجمالي الطلب على إجمالي العرض، ارتفاع مستويات السيولة، والتضخم المستورد نتيجة لارتفاع أسعار السلع الاستثمارية والنهائية المستوردة بجانب تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي الذي يرتبط به الريال أمام العملات العالمية الأخرى.
أما تحديات الموارد البشرية فهي واضحة للعيان، فالنمو الاقتصادي يحتم على منشآت القطاع الخاص توظيف المزيد من المحترفين وذوي الخبرة والمعرفة خصوصاً في القطاعات الخدمية الواعدة كالبنوك الاستثمارية وشركات التأمين في السعودية والتي تتنافس لمرحلة كسر العظم للاستحواذ على الكفاءات المحدودة المتدربة في غرف البنوك التجارية، وأخص من تلكم الكفاءات حرفيي المصرفية الاستثمارية، إدارة المخاطر، الخزانة، وأقسام تمويل الشركات لتمتعهم بطيف من المهارات يميزهم عن نظرائهم من حرفيي البنوك التجارية المتخصصين بمنتجات بنكية أخرى كما أثبت الطلب الكلي على المهارات من البنوك الاستثمارية حديثاً.
أما احتمال إعادة تقييم أسعار الصرف للعملات الخليجية وخصوصا الريال السعودي، الدرهم الإماراتي، والريال القطري، فهو من مخاطر أسعار الصرف التي من حق منشآت القطاع الخاص أخذها في الحسبان والتحوط لها نظراً للمضاربات المحمومة والمنطقية التي أخذت مكاناً في عام 2007، إلا أن عقود التحوط ترتبط بمدى زمني لا تتجاوزه تبعاً لتسعيرها وتقييمات السوق. لهذا، وأخذاً في الاعتبار أن المؤشرات الاقتصادية الكلية تقترح رفع تقييمات العملات المحلية أمام الدولار أو فك الارتباط واللجوء إلى سلة من العملات لتفادي التضخم المستورد جراء تراجع عملة الربط والمعطيات الاقتصادية المرتبطة بالأداء المستقبلي للاقتصاديات المحلية، فإن الالتزام الرسمي بإبقاء أسعار الصرف لعملات دول المجلس كما هي عليه يشكل مخاطرة تؤثر في مؤشر الثقة لمنشآت الأعمال التي تجد تضارباً بين ما يجب أو يتوقع أن تكون عليه سياسة سعر الصرف وبين المعلن عنه رسمياً خصوصاً أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين القدرة التنافسية وأسعار صرف العملات لمنشآت الأعمال المعتمدة على التصدير من ناحية وعلى المنشآت الأخرى التي تعتمد على مدخلات إنتاج مستوردة من دول لا ترتبط بسعر صرف الدولار.
وأخيراً، فعلى الرغم من إلقاء التأثيرات الاقتصادية السلبية في قيادة التضخم وشح الموارد البشرية بظلالها على أداء الشركات الخليجية، إلا أن توقعات نمو الدخل، ارتفاع الهوامش الربحية، والعوائد للقطاع الخاص الخليجي تبعاً لمؤشر الثقة مازالت تفوق تكاليف المخاطر والتأثيرات السلبية التي تم تناولها سابقاً. لهذا، فإن الوضع الاقتصادي للقطاع الخاص الخليجي عموماً بحاجة إلى التزام من الجهات التنظيمية والرقابية بتحسين البيئة الاقتصادية الكلية لتواكب النمو والتطور في مختلف القطاعات التي تضيف إلى نمو الاقتصاد ومساهمته في مستوى الرفاه الكلي وبالتالي رفع ثقة الشركات بالاقتصاد السعودي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي