الاستثمار في البشر أحد أهم المتطلبات الأساسية لتعزيز الثقة بالاقتصاد السعودي

الاستثمار في البشر أحد أهم المتطلبات الأساسية لتعزيز الثقة بالاقتصاد السعودي

يعد الإنسان محور التنمية وأساسها وهدفها، ولا يمكن لأي دولة أن تحقق التنمية الاقتصادية بمعزل عن تنمية موردها البشري. إن إقامة مجتمع واعد وفريد من نوعه لا يمكن أن يتم في بيئة أفرادها يعيشون عالة على الآخرين وقلوبهم مملوءة بالهموم المتنوعة والموزعة بين هموم التعليم والعلاج والسكن والخدمات والبطالة. إن التعليم في المملكة اليوم، على الرغم من الاهتمام الكبير الذي دأبت المملكة على ترسيخه في العقود القليلة الماضية، بدا أكثر خطورة من أي وقت مضى وأصبح يعاني الكثير من الإشكالات. فالتعليم على خلاف ما نسمعه في خطابات المسؤولين وأصحاب القرار أصبح سوقا استثمارية رخيصة نظرًا لتباعد الدولة عن مسؤولياتها وترك المجال للقطاع الخاص يرتع ويلعب دون رقيب أو حسيب. إن الدول المتقدمة تستثمر في التعليم استثمارات باهظة، استثمارات لا تنضب وبحدود لا نهاية لها. فالعلم واسع والمعرفة متفجرة والثورة التقنية تجتاح جميع المجالات، والتغير هو سنة الحياة فما هو مقبول اليوم لا يمكن قبوله غدًا. إن الاستثمار في العقول أصبح أكثر تعقيداً حيث إن ما يتعلمه الفرد في المدرسة أو الجامعة لا يعد كافيا لتحقيق تنمية بشرية حقيقية. إن التنمية البشرية هي تلك التنمية التي تعتمد التعليم النوعي وتجعله أساساً لها. إننا في حاجة إلى مؤسسات تعليمية تعلم الأفراد كيف يتعلمون وكيف يواجهون المستقبل بكل متغيراته ويتكيفون معه.
إن ما يحدث اليوم في الجامعات السعودية أمر غاية في الخطورة ولا يمكن تجاهله أو التنحي عنه. فالجامعات بدلا من أن تكون الوسيلة المثلى لاكتشاف إبداعات الأفراد وتنمية مهاراتهم، أصبحت خير وسيلة لاستنزاف تلك المواهب والقدرات. فالقبول مثلا في معظم الجامعات السعودية يتم بشكل عشوائي وبقرارات فردية تحدث أحيانا بحجة عدم وجود فرص كافية للمتقدمين من الطلاب والطالبات. فمن لديه الرغبة والحماس للدراسة في تخصصات علمية يتم توجيهه من قبل أصحاب المناصب العليا في تلك الجامعات - إن لم تكن الأعلى - بطريقة عشوائية وغير مدروسة إلى كليات أدبية لدراسة علم النفس والأدب والاجتماع. ومن يتمتع بمواهب أدبية راقية يتم توجيهه إلى كليات العلوم كالزراعة والطب البيطري وهلم جرا، والنتيجة النهائية تحصيل حاصل والكل سواسية في الهم والمعاناة. إننا في حاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتنا وتوجيه مؤسساتنا التعليمية وفق هذه الأوليات. إن سياسة الإحلال والتوطين التي تطالب الدولة بها اليوم لن يكتب لها النجاح ما لم تكن هناك تنمية بشرية حقيقية تعتمد التعليم النوعي الذي يهدف إلى توفير احتياجات التنمية بمختلف جوانبها. إن الحاجة ماسة الآن إلى أن يتعلم المواطن السعودي ويتدرب على العديد من المهن الجديدة التي تدخل في إطار رفد جوانب التنمية لتجعلها تنمية نوعية متطورة مع الزمن. من دون ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة، وغيرنا ينمو ويتقدم بخطوات كبيرة لا يمكن لنا مسايرتها أو اللحاق بها.

[email protected]

الأكثر قراءة