رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


منتدى الرياض الاقتصادي .. الرأي والرأي الآخر

[email protected]

أشكر للأخ الدكتور محمد الكثيري أمين عام منتدى الرياض الاقتصادي تفاعله مع ما أوردته (وإن كان متأخرا بعض الوقت) في مقال نشر في 9 كانون الأول (ديسمبر) 2007 تحت عنوان "منتدى الرياض وتنصل القطاع الخاص". كما أجدها فرصة لأكرر تقديري للغرفة التجارية الصناعية في الرياض ولأمانة منتدى الرياض الاقتصادي، على دعوتي إلى المشاركة في الاجتماعات التحضيرية للمنتدى، والتي يبدو أنني أخذتها محمل الجد والحرص والمهنية أكثر مما يتوقع! ففي اعتقادي أن كل من يدعى إلى اجتماع مطالب بأن يبدي وجهة نظر صادقة والتعبير عن رأيه دون مجاملة أو مداهنة، ويكون أكثر حرصا وأشد إصراراً إذا ما كان الموضوع يتعلق بالمصلحة العامة كالتنمية الاقتصادية الوطنية. كان من مصلحتي الشخصية (كما البعض) أن أسجل حضوراً شكلياً سعيا للمجاملة ولتعزيز العلاقة برموز وقيادات مجتمع الأعمال النافذين الذين تربطني ببعضهم قرابة وصداقة وزمالة وأكن لهم التقدير والاحترام، بالتزامي الصمت أو الموافقة دون تفكير أو القول بما يرغبون سماعه، إلا أن صدق المشورة والخلق الإسلامي والمهني مقدم على كل اعتبار. إن السبيل إلى الارتقاء بالعمل الجماعي وتحقيق المصلحة العامة هو تقبل الرأي والرأي الآخر والاستفادة من الآراء، ليس للتراشق الإعلامي وإنما للتراكم المعرفي وتطوير التجربة وإحداث نقلة نوعية والبحث عن الأفضل. ولذا فإن التعليقات التي أوردها الأخ الدكتور الكثيري ارتكزت على ردود أفعال في محاولة لتفنيد ما أوردته بأخذ بعض العبارات خارج سياقها أو مبتورة أو تقديم بعضها وتأخير أخرى لتفقد المعنى الحقيقي والمقصد الأساس. المسألة هنا ليست للجدل وتسطيح آراء الآخرين بالمغالطات وذكر نصف الحقيقة، وإنما للبناء وتجاوز العقبات وعدم تكرار الأخطاء. كنت أتمنى أخذ الملاحظات كمعلومات مرتدة يُستفاد منها وليس أخذها على محمل النقد السلبي الشخصي. لقد أوضحت ـ وبكل صدق ـ الدور المقدر للغرف التجارية الصناعية والمنتدى والقائمين عليه، وما أوردته من ملاحظات لا يقلل من شأن فكرة المنتدى ولا العمل الذي بُذل ولا الاجتهاد إلا أن ليس كل مجتهد مصيباً، وأن العمل الإنساني يعتريه النقص والخطأ ويتطلب التصحيح والتقويم. من هنا كان من المتوقع أن يسعى المنظمون إلى أخذ المداخلات بجدية وموضوعية والاستفادة منها بدلا من أن يكون ذلك انتقائيا حسبما يتفق مع التوجهات وإنفاذ متطلبات مجتمع الأعمال وتحقيق رغباتهم الآنية دون رؤية شاملة للاقتصاد الوطني ودون تحمل المسؤولية الاجتماعية. وحتى أتجنب الأسلوب الدفاعي الذي أُنتهج في الرد على مقالي سأقوم بمناقشة ما تفضل به الدكتور الكثيري بمنهجية تبتعد عن الحساسية الشخصية وتكون أكثر موضوعية لنصل فيها إلى أفكار ورؤى تضيف إلى موضوع النقاش لتعم الفائدة ويتحقق المرجو ويكون الجميع رابحا.
إن الموضوع الرئيس لمقالي والذي بدا واضحا من العنوان هو تنصل القطاع الخاص عن تحمل مسؤولياته وتحديد دوره في التنمية الاقتصادية، وإلقاء اللائمة والمسؤولية كاملة على القطاع الحكومي في النهوض بالاقتصاد الوطني! فجميع التوصيات في المنتدى لم تذكر ماذا عسى القطاع الخاص أن يفعله تجاه القضايا المطروحة؟! الغريب في الأمر أن غُيب تماما الحديث عن اقتراح استراتيجية وطنية بحجة أن هذا من اختصاص وزارة الاقتصاد والتخطيط، كما يشير إليه الأخ الدكتور الكثيري في تعقيبه، ومع هذا يقدم المنتدى إستراتيجية للموارد البشرية! والتي يفترض استنادا إلى المبرر السابق ألا تكون من اختصاصه، بل اختصاص وزارة العمل! القصد هنا أن من مصلحة القطاع الخاص الإسهام في وضع استراتيجية وطنية تكون خريطة اقتصادية لما ينبغي عمله وفي أي اتجاه وتحديد دور الأجهزة الحكومية ودور القطاع الخاص ويكون الجميع على بينة من الأمر. إن التنسيق بين القطاعين العام والخاص هو مفتاح النهوض بالتنمية الاقتصادية، فهما جناحاها ولا سبيل للإقلاع بالاقتصاد الوطني إلى مستويات أعلى من النضج الصناعي والتجاري والقوة الاقتصادية إلا بالعمل المشترك وتوجيه الجهود إلى أهداف متفق عليها ومعلومة للجميع. ولا بأس أن أكرر ما أوردته في المقال السابق تذكيرا وتأكيدا على أهميته، وهو أن قوة الاقتصاد الوطني هي في مصلحة مجتمع الأعمال في المقام الأول، إن لم يكن في المدى القصير ففي المديين المتوسط والطويل. فمن مصلحة مجتمع الأعمال تكبير الكعكة الاقتصادية، ليس فقط من أجل تعظيم قسمتهم، ولكن والأهم استمرار قوة الاقتصاد واستدامته. إن المشروع الوطني التنموي يتطلب تحديد الوجهة وكيف نرغب أن نكون عليه بعد 30 سنة من الآن، وهذه مهمة يشترك في إعدادها القطاعان الحكومي والخاص وتستحق المبادرة من الطرفين أو أحدهما. إنها التنمية المستدامة على قاعدة اقتصادية متينة التي ستضمن بإذن الله للاقتصاد الوطني الاستمرار، بل أن يكون أكثر قوة وصلابة.
إن الاستراتيجيات والخطط الوطنية ليست أماني ورغبات نمليها على الورق لما نتطلع أن نكون عليه كمجتمع وحسب، وإنما تتطلب دراسات ميدانية جادة مبنية على منهجية علمية توصل إلى حقائق وتوفر معلومات دقيقة وواقعية يمكن الاعتماد عليها في صناعة القرار. ولذا فإن أية دراسة لا تتبع خطوات المنهج العلمي يشك في نتائجها وتكون أقرب للرأي الشخصي المنحاز منها إلى نتائج موضوعية حقيقية. أعلم أن بعضا من رجال الأعمال وبحكم طبيعة أعمالهم ومنهجيتهم في التفكير التطبيقي البرجماتي لا يؤمنون بالمنهجية العلمية ويعدونها ضربا من الترف الأكاديمي! ولذا لم يكن مستغربا أن كان رد مقدم الدراسة في الاجتماع التحضيري للمنتدى حين اعترضت على نتائجها ومنهجيتها قوله "إننا لسنا بصدد مناقشة رسالة ماجستير أو دكتوراة!" كنت أتمنى لو أن الدراسة تمت مناقشتها منذ مراحلها الأولى وليس بعد اكتمالها بإعلان نتائجها النهائية! حتى تتاح الفرصة للتصحيح ويكون الوقت كافيا لاستيعاب الملاحظات، بدلا من تحويل الاجتماع إلى اتصال في اتجاه واحد! إن الملاحظات التي أبديتها وشاركني فيها آخرون من الحضور لا تتعلق بأمور تفصيلية غير مهمة ولكن بأمر أساسي يتعلق بالمنهجية ومصداقية النتائج! ولن أعيد ما أوردته في المقال من أن ليس هناك ترابط بين المقدمات والنتائج! إن هذا النوع من التفكير والمبادرات التي تعتمد على الحس والشعور الداخلي دون التحقق العلمي هو ما يجعل الاقتصاد الوطني يدور في فلك ضيق معتمد على استيراد التقنية ومدخلات إنتاج جلها من الخارج.
إن مطالبة القطاع الخاص بالقيام بأدوار في التنمية الاقتصادية لا تعني بأي حال من الأحوال إلغاء أهمية القطاع العام وضرورة تطويره. فلا شك أن القطاع العام يعاني القصور، وقد أشرت لذلك في مقدمة المقال السابق. إلا أن مطالبة المنتدى القطاع العام بتطوير نفسه وتقديم اقتراحات بهذا الصدد دون تحميل القطاع الخاص أية مسؤولية يجعلان التوصيات قاصرة. إن قضايا مثل توطين الوظائف والتدريب والنمو الاقتصادي وغيرها من الموضوعات لا يمكن للقطاع العام معالجتها دون تعاون القطاع الخاص، ليس على سبيل التطوع الخيري وإنما على أساس شراكة تقود إلى منفعة مشتركة وتحقيق مصلحة جميع الأطراف. لقد ذكرت في المقال السابق أنه لا ينبغي لمجتمع الأعمال أن يتشبث بفكرة الاعتماد الكلي على الحكومة في نشاطهم الاقتصادي والاستمرار في طلب الرعاية والحماية والدعم والمساندة. لقد أتاحت الدولة الفرصة للقطاع الخاص، ومن خلال دعم مباشر وغير مباشر في اختيار مجالات الاستثمار الصناعي والتجاري دون شرط أو قيد، والنتيجة أن أصبحت جل الصناعات استهلاكية غير رأس مالية تضيف قيمة ضئيلة للاقتصاد الوطني. في المقابل سجلت المشاريع الصناعية التي رعتها الدولة نجاحات كبيرة تمثلت في صناعات البتروكيماويات وصناعات القطاع النفطي. والآن وبعد هذه التجربة الطويلة للقطاع الخاص والدعم اللا محدود من الدولة يأتي من يلقي باللائمة على القطاع العام ويطالب بتطويره على أساس أن ذلك هو الأمر الوحيد الذي يقف حائلا أمام تطور الاقتصاد دون ذكر لمعالجة إخفاقات القطاع الخاص ودوره السلبي في التنمية الاقتصادية، والتي من أهمها عدم التوجه نحو بناء صناعات وقاعدة اقتصادية وقطاعات تصديرية، وإنما مصانع صغيرة متشرذمة استهلاكية لا رابط بينها.
لقد كان الهدف من المقال السابق طرح رأي على قدر من الموضوعية والشفافية والصراحة بما يفيد تطوير المنتدى وتحقيق المصلحة العامة، ولم يكن القصد التقليل من جهد الآخرين أو من شأن المنتدى. وقد كفاني الدكتور الكثيري التدليل على ذلك عندما اختتم تعقيبه باستقطاع جزء كبير من مقالي أشيد فيه بالمنتدى والقائمين، حتى وإن بدا ذلك من أجل إظهار التعارض والتناقض بين الإشادة والانتقاد! قد يكون من الصعب على البعض إدراك أنه بالإمكان انتقاد من تحترم وتقدر وأن تحترم وتقدر من تنتقد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي