بين يوم الحليب الوطني وأسعاره
يصادف اليوم الأول من العام الهجري 1429 اليوم الوطني لشرب الحليب الذي دشنته وزارة الصحة في مطلع العام السابق لرفع الوعي بالدور الصحي للحليب واللبن وأهميتهما في تجنب العديد من الأمراض المرتبطة بنقص الكالسيوم كهشاشة وضعف العظام بجانب التأكيد على أهمية الغذاء المتوازن والسليم لجميع أفراد المجتمع. وتعد الأهداف الاقتصادية التي تسعى إلى تحقيقها وزارة الصحة من وراء اليوم الوطني لشرب الحليب تحت شعار (بارك لنا فيه وزدنا منه) من الأهداف الاستراتيجية التي يمكن تحسس نتائجها على المدى الطويل من خلال تخفيض نفقات علاج الأمراض التي يتسبب بها نقص الكالسيوم والتي يمكن تفاديها عن طريق نشر الوعي بين المواطنين بأهمية الحفاظ على الغذاء المتوازن والصحي بين مختلف الفئات العمرية. وبتناول هذه الحملة المنهجية والذكية لرفع الوعي الصحي والغذائي، من المفروض أن يتم تصميم معايير لقياس أداء هذه الحملة من خلال حساب التطور السنوي في استهلاك الحليب لشريحة طلاب المدارس على سبيل المثال لا الحصر للحصول على مؤشرات عن مدى تأثير الحملة ومدى ارتباطها بأي نتائج صحية، اقتصادية، أم اجتماعية قد نرى نتائجها في المستقبل نظراً لكون حملة كهذه تؤتي نتائجها غالباً على المدى الطويل.
وتأتي في هذا العام مفارقة مفادها إعلان شركات الألبان رفع أسعار الحليب والألبان بنحو 20 في المائة قبل نحو أسبوع من اليوم الوطني الثاني لشرب الحليب! ففي الوقت الذي تدعو فيه وزارة الصحة إلى شرب الحليب والتشجيع على استهلاكه للرقي بالصحة العامة وتحقيق استراتيجيات وزارة الصحة التي تتناسب مع احتياجات المواطن، تقوم شركات الألبان برفع الأسعار لتتناسب مع البيئة الاقتصادية التي تعمل بها وللتأقلم مع متطلبات استمراريتها ومصلحة ملاكها ومساهميها, معللة ذلك أنها في نهاية اليوم ليست بجمعيات عمومية أو منظومات حكومية، بل منشآت هادفة للربح أولاً وأخيراً.
وللوقوف على الدافع وراء ارتفاع أسعار منتجات الحليب والألبان، فقد بينت بعض المصادر المطلعة لـ "الاقتصادية" بتاريخ 5/1/2008 أن أسباب الارتفاع تعود إلى ارتفاع مدخلات الإنتاج بما فيها قيمة الأعلاف المركزة بمعدل سنوي مقداره 66 في المائة خلال عام 2007 مقارنة بالعام السابق، وارتفاع قيمة الأعلاف الجافة التي تشكل الغذاء الأساسي للمواشي المنتجة للألبان بنحو 22 في المائة، وارتفاع أسعار قطع الغيار والصيانة لخطوط إنتاج الألبان في المصانع بنحو 55 في المائة. إذن، فتبرير رفع أسعار المنتجات لشركات الألبان مبني على أسس مالية محفزها هو الحفاظ على جدوى الاستثمار وتعظيم العائد إلى المساهمين سواء أكانت شركة مساهمة عامة أم غير ذلك. لذا، فمن المهم التمييز بين رفع الأسعار الممنهج والمنسق بين شركات الألبان في بيئة اقتصادية قليلة المنافسة بما يشير إلى سلوك احتكار القلة وبين رفع الأسعار المتباين بين الشركات في بيئة اقتصادية تتميز بالتنافس بين مختلف وحدات الأعمال. فالفيصل للحكم على رفع الأسعار في الحالتين هو النتيجة النهائية وتوافر الخيارات متفاوتة الأسعار للمستهلكين.
كما أن رفع أسعار المنتجات من جراء ارتفاع التكاليف في صناعة معينة كصناعة الألبان توضح غياب التنافسية التي من شأنها أن تؤدي إلى تخفيض التكلفة الكلية عن طريق رفع الكفاءة في مختلف خطوات الإنتاج إن كانت بعض وحدات الإنتاج تعمل بأقل من قدرتها القصوى حينها. وفي أسوأ الظروف تقوم هذه الصناعات بتمرير التكاليف إلى وحدات أخرى قد تؤدي إلى الإضرار بالجودة الكلية في بعض الأحيان. لذلك، وعلى الرغم من جهود وزارة التجارة لتخفيض أسعار الألبان تجاه المستهلك، من الضروري وجود نظام للتأكد من جودة الصناعة وصلاحيتها للمستهلك خصوصاً مع تزايد الاهتمام الوطني بالجودة المرتبطة بالتكلفة. فتخفيض التكاليف يجب ألا يطول مستوى الجودة لكي لا ينخفض مستوى صناعة الألبان ككل ومكانتها التنافسية إقليمياً.
وأخيراً، إن رفع الأسعار المنظم والمنسق بين شركات الألبان يشير إلى تكتل احتكاري, ويجب ألا يأخذ مكاناً في أي بيئة تنافسية، وإن أخذ مكاناً فهو إثبات لعدم وجود الهيكل الاقتصادي الداعم للتنافسية بين مختلف الشركات أو أن هيكل الصناعة ليس بتنافسي من الأساس. لذلك فضمان البيئة التنافسية يجب أن يناط بهيئة خاصة ومستقلة لكسر الاحتكار والتنافسية مع التأكيد على فعالية مراقبة الجودة والنوعية بما يحقق البيئة المثلى لرفع الرفاهية الاقتصادية التي تحتل رفاهية المستهلك الشطر الأعظم منها، فأين تقارير الجهات الرقابية التي تتابع جودة المنتجات الغذائية؟ وأين هيئة ضمان التنافسية وكسر الاحتكار التي أعلن عنها منذ سنوات؟