رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الشركات وبدائل رفع الأسعار ـ الألبان كمثال

[email protected]

ما الذي يحدث في شركات الألبان، تعلن في نبرة تهديد بأن لا رجعة عن الاستمرار في سياسة رفع الأسعار، ثم تعود لتخبرنا أنها بصدد تخفيض جزئي للأسعار. وفي خبر آخر تقول إنها غير متورطة في مؤامرات احتكارية وإنها سترفع دعوى ضد من يتهمها بذلك. ثم تبرر ارتفاع الأسعار بزيادة تكاليف المواد الداخلة في التصنيع لكن الغريب أن هذه الأخبار جاءت كردة فعل من شركات الألبان كمجتمع ثم تقول بكل (..) بأنها غير متورطة في تحالفات ضد مجتمعها.
القضية ليست قاصرة على شركات الألبان، بل تمتد لتشمل معظم الشركات والمستوردين السعوديين وخصوصا لتلك السلع التي تمس ثقافة المجتمع السعودي واستهلاكه المباشر. هذه الشركات تمارس أساليب احتكارية يدل على ذلك قدراتها على التحالف والرد الجماعي. نعم من الصعب الحصول على دليل مادي على وجود التحالف الاحتكاري ولكن جميع المؤشرات الاقتصادية كافية كقرائن مُدينة. لقد بذلت الكثير من هذه الشركات أدوارا فعًالة للسيطرة على حصص السوق السعودية وإخراج الشركات الصغيرة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض مستويات المنافسة إلى درجات مؤثرة جدا. ولو أن الأمر صاحبه مسؤولية اجتماعية حقيقية تظهر في المشاركة الصادقة في توزيع الثروات من خلال الدعم الواسع للسعودة, وكذا برامج الضمان الاجتماعي وتنمية مراكز النمو، ودعم المنشآت الصغيرة، لهان الأمر. ولكن لم تكن أكثر من محاولات لتركيز الثروة وانتهاز الفرص للضغط على المجتمع وفرض سياسة الأمر الواقع.
تتعذر شركات الألبان وغيرها من الشركات بارتفاع أسعار المواد الداخلة في التصنيع ـ البودرة مثلا - أو ارتفاع أسعار السلع المستوردة - الأرز مثلا، وهذا أمر يمكن ملاحظته وآثاره معروفه وتتسبب فعلا في ارتفاع الأسعار، ولكن فقط ـ وفقط - عندما تكون السوق غير تنافسية، كأن تكون احتكارية بالكامل أو احتكار القلة أو منافسة احتكارية. في هذه البيئة الاقتصادية تقوم الشركة بتحميل جميع الزيادات في أسعار المواد الأولية إلى المستهلك النهائي دون مواجهة خطر خسارة حصص السوق أو تحول الطلب نحو سلع بديلة. في هذه البيئة غير التنافسية، وعدم وجود ضرائب، وضعف مرونة الطلب، فإن الشركات تتجه وبشكل عدواني نحو رفع الأسعار وكما تقول شركات الألبان إلا رجعة فيها (وعلى المتضرر الجوع).
إن الشركات التي تعمل في سوق تنافسية حقيقية, فعند ارتفاع أسعار المواد المستوردة أو المواد الأولية بشكل عام, فإنها تواجه استراتيجيات مختلفة ترتكز على إعادة ترتيب المنزل من الداخل. فهي تحاول تحليل التكاليف بشكل كامل واكتشاف الطاقات غير المستغلة، ما يسمح بتوزيع أفضل للتكاليف الثابتة والسيطرة على التكاليف بشكل عام بينما تراقب المنافس الذي يفشل في السيطرة على تكاليفه ويضطر في سبيل البقاء إلى رفع الأسعار, ما يسمح لها بالفوز بحصص أكبر في السوق. ومع استمرار سياسة تخفيض التكاليف فإن على الشركات الأضعف إداريا أو معلوماتيا أو تفاوضيا مواجهة الوقت الصعب وحدها, ومن ثم الخروج من السوق، وعندها تجد الشركة الأفضل مكافأتها في الفوز بالسوق وثقه المستهلك مع استمرار سياسة عدم تغيير الأسعار.
من هنا تظهر لنا قضية معظم الشركات التي تنشأ في بيئة غير تنافسية ولديها حق مخصوص في حصص السوق وتضع قواعد اللعبة وعوائق دخول المنافس. فهي عادة ما تهمل محاسبة وتحليل التكاليف, لأنها تركز على خلق قاعدة احتكارية تمكنها من فرض مستويات الإنتاج واتجاهات الأسعار التي تحقق لها مستويات من الربحية والنمو المتواصلين. هذا النوع من الشركات لا يهمها حجم تكاليفها الثابتة ولا معرفة طاقاتها غير المستغلة, بل قد تتورط في عدم الاستفادة من الوفورات التي تحققها من سنة إلى أخرى وترتكب حماقات فادحة في استثمار المخصصات ـ حتى إن شركة سعودية ذات منتج احتكاري تورطت قبل عدة سنوات في التصرف في استثمارات مجمع الإهلاك بطريقة خطيرة جدا أثرت في القدرة الاستمرارية للشركة, وما دفعها إلى هذا إلا ثقتها بقدراتها الربحية والتعويض عن أي خسارة طارئة برفع الأسعار وقد كان لها ذلك.
القضية الأخرى أنه ليس لدينا نظام لمنع الاحتكار أو الممارسات الاحتكارية، فلا نعي إلا وقد نشأت هذه السوق ووضعتنا أمام خيارات صعبة. فبالرغم أنني مع السوق الحرة ومع ترك آلياتها تعمل والتي ستسهم في تصحيح الأسعار عن طريق إعادة توازن العرض والطلب إلا أن التدخل الحكومي يظل خيارا متاحا. فمع السوق الحرة, فإن بقاء الأسعار مرتفعة وتحقيق الشركات الاحتكارية إرباح غير عادية سيشجع شركات ورجال أعمال آخرين لاقتحام السوق حتى يزيد المعروض وتعود الأسعار إلى وضع توازن جديد. لكن المشكلة إذا تأخرنا كثيرا في منع السوق الاحتكارية حتى تصبح عوائق الدخول أمام رجال الأعمال كبيرة جدا عندها سيكون التصحيح مؤلما. ففي بعض الصناعات لدينا ـ ومنها الألبان واستيراد الأرز وغيرها ـ توجد عوائق كثيرة منها ما يعود إلى الإجراءات الحكومية التي ترفع تكلفة رأس المال على رجال الأعمال إلى مستويات كبيرة جدا لارتفاع تكاليف الفرص البديلة ـ بسبب تعطيل رأس المال نظرا لطول الإجراءات والتصريحات التي قد تنتهي برفض المشروع وهنا عادة تلعب قوى السوق دورها في المحافظة على العوائق من خلال الغرف التجارية الصناعية ـ تجمع التجار (أهل السوق). ومن هذه العوائق ما يعود إلى الشركات الاحتكارية نفسها والتي استطاعت خلق عوائق رأسمالية ضخمة.
لذلك فنحن بحاجة إلى بناء نظام لمنع الاحتكار والإجراءات الاحتكارية، ويمكن فرض ضرائب على الشركات في أسواق احتكار القلة بحيث يوجه إيراد هذه الضرائب إلى تعزيز المنافسة من خلال إقراض رجال الأعمال الذين يرغبون في اقتحام هذه الأسواق ودعم الإجراءات الحكومية وتسهيلها. نعم الضرائب بحد ذاتها معيق للدخول إلى السوق وقد تستطيع الشركات الاحتكارية نقل الضرائب إلى المستهلك لكن فرض الضرائب فيه عقاب مباشر للشركات المتورطة في النماذج الاحتكارية وبيدها ستخلق منافسيها وتكسر احتكاريتها. لكن يمكن أيضا تطوير أساليب أفضل ومنها أن توجيه جزء من إيرادات الدولة لدعم الشركات الجديدة - بدلا من مكافأة المحتكرين بالدعم - من خلال صندوق خاص لصناعات معينة تحت إشراف صندوق التنمية الصناعي مع تخفيض الإجراءات, وتحمل بعض المخاطر في سبيل ذلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي