تكاثر التأمين وشح التراخيص المصرفية
شهد الشهر الماضي طرح ثلاث شركات تأمين جديدة مرة واحدة لتصل شركات التأمين إلى 17 شركة عدا الشركة التعاونية الأقوى في السوق أداء وتجربة. كما أن هناك عدة شركات في مراحل مختلفة من الترخيص والطرح. البعض من هذه الشركات كانت مكاتب ووكالات لشركات تأمين إقليمية وعالمية والبعض شركات جديدة، سبق هذه الظاهرة – ولعله سبب مباشر – تغيير في التشريعات والأنظمة وحتى ارتفاع في الوعي العام يتطلب الحاجة إلى التأمين بجميع أنواعه. لا شك أن سوق التأمين جذابة حيث إن الدفعات التأمينية تبلغ أقل من 1 في المائة من إجمالي الدخل القومي في الاقتصاد السعودي، بينما تصل إلى نحو 6 في المائة في بعض الدول المتوسطة وأكثر من 10 في المائة في بعض الدول المتقدمة، ولذلك لا تزال الفرصة مهيأة للتوسع في هذا القطاع.
ولكن هناك فرق بين الفرصة في التوسع في القطاع وكفاءة اللاعبين في هذا القطاع والقدرة على مراقبة كفاءة المشاركين وحماية عملاء شركات التأمين ونزاهة القطاع المهنية ككل. هذا الاندفاع نحو الترخيص لشركات كثيرة في فترة وجيزة خاصة أن البعض منهم ليس له تجربة في هذا القطاع يحمل مخاطر على الجميع. كما أن مجال التأمين يتميز بصعوبات في إدارة المخاطر والأموال. إضافة إلى ذلك هناك شبه تشجيع على زيادة رؤوس أموال المصارف، بينما تجد شركات التأمين تبدأ بمبالغ صغيرة نسبياً قد لا تستطيع مواصلة التأسيس والبناء وتحمل خسائر التأسيس وبعض أخطاء التعلم (اتضح ذلك في نتائج الربع الأخير للبعض منها). معضلة المنظم الحكومي دائماً هي إيجاد التوازن الصحيح (الذي يساعد على إيجاد قطاع ذي كفاءة عالية وتنافسية ويخدم المستفيدين والمستثمرين). بهذه الاندفاعة في القطاع وحداثة المنظم وقلة تجربته وصعوبة قطاع التأمين كل هذه العوامل ستسهم في إيجاد بيئة محفوفة بالمخاطر. لعلنا نتعلم من هذه التجربة.
يقابل هذا الاندفاع إحجام وتردد واضح في التراخيص المصرفية (لعل هذا الإحجام مبرر، حيث يهدف إلى التأكد من أن القطاع المصرفي يجب أن يكون له حجم يسمح له بالملاءة والاستثمار في التقنية والموارد البشرية والربحية المجزية)، وهذا الهدف تم إنجازه.
أحد متطلبات الكفاءة في الجهاز الرقابي المتمكن هو الرقابة الدقيقة والتناسق في التواصل مع الأطراف ذات العلاقة. حيث يتوقع المستهدفون والمستفيدون من هذا التنظيم أن يطمئنوا إلى وتيرة وطبيعة المنظم والمشرع. هذه الرقابة والتناسق والقدرة على التنبؤ بما سوف يعمله هذا المنظم المشرع تسهم في إيجاد بيئة تنافسية صحية تخدم القطاع المالي في المملكة وليس أسلوب تواصل تنظيميا للمصارف، وآخر للتأمين وآخر للتمويل العقاري غداً. وحتى القطاع المصرفي لم يسلم من قلة الإدارة، حيث إن إحدى الملاحظات تدور حول ما يسمى مجازاً بالقروض الشخصية.
فهذه تسعر بأسعار عالية لفوائد عالية) مقابل قروض مضمونة مما يتناقض مع منطق إدارة المال السليمة (قلة المخاطر تعني فوائد أقل) من ناحية وتوجه هذه القروض للمضاربة في الأسهم من ناحية أخرى، خاصة أن هذه القروض تشكل نحو ربع محفظة الإقراض في القطاع المصرفي ما لا يخدم المستهلك ولا الاقتصاد الوطني، بينما تصب المصلحة لملاك البنوك فقط، يكتفي المنظم بالنصيحة على استحياء. حسب التوجيهات الجديدة سيتطلب التأمين الوصول إلى ملايين الناس، ويدخل في النواحي السلوكية من قيادة السيارة إلى النواحي الصحية، وهذه بطبعها تميل إلى إبراز الأحسن والأسوأ فينا، ما يتطلب بدوره درجة عالية من قراءة التصرفات والتعامل مع التوقعات غير المعقولة أحيانا، هذا من ناحية المستفيد. وهناك استحقاقات في الإدارة المالية والحد من المخاطر المالية لن تكون سهلة على البعض من هذه الشركات الجديدة أو الجهات الرقابية. هذه الخلفية الرقابية قد تخيف البعض خاصة أن قطاع التأمين ذو طبيعة صعبة مادته قابلة للخلاف إن لم نقل المشاكسة، والتعامل مع بيئة تشريعية وقضائية تمر بتحولات جديدة وكبيرة، إذا لم يكن الجهاز الرقابي على درجة عالية من المهنية، فإنه سيعرض المستفيدين والمستثمرين وحتى الاقتصاد السعودي إلى أعباء ومخاطر يمكن تلافيها إذا أعد المنظم (مؤسسة النقد) العدة والعدد.
تاريخيا، وعلى كل ما يقال نجحت السلطات الرقابية في المملكة في حماية القطاع المصرفي وساعد في ذلك بيئة مالية واقتصادية مؤاتية، ولكننا مقبلون على مرحلة جديدة من بناء قطاع الخدمات المالية من المصارف (التوسع الوحيد حديثا هو في الترخيص للعديد من المصارف الأجنبية التي لم تحقق اختراقات تذكر حتى الآن مع انتظار بنك الإنماء العسير الولادة)، وقطاع التأمين الذي دخل منعطفا جديدا عسى أن يصل إلى وضعية متينة ويحتل المركز المأمول، ثم يتبعه العمود الثالث في قطاع الخدمات المالية - قطاع التمويل العقاري الذي ما زال في مرحلة الإعداد الأخيرة، العمود الرابع (قطاع البنوك الاستثمارية والوساطة) تحت مظلة هيئة سوق المال. الحديث في هذا المقال عن بعض الأعمدة الثلاثة الأولى. الأمل أن يكون لدى مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) العمق الإداري والتنظيمي والنزعة الإصلاحية لإدارة القطاع المالي بأفق واسع ودرجة عالية من الوعي بالجزئيات، فكما يقال "الشيطان في التفاصيل".
سيصعب على المؤسسة "رفض" طلبات المتقدمين لتأسيس شركات تأمين خاصة أن المملكة تنادي وتمارس حرية الأسواق ولكن على المؤسسة بناء الكفاءة الداخلية في مراقبة الأداء والحزم في التنظيم وتأسيس الشخصية والهيبة الرقابية. يحتاج كل هذا إلى مراقبة تركيبة هذا القطاع للتأكد من إبعاد البعض أو الحث على الدمج للوصول إلى عدة شركات قوية وذات عمق إداري ورفع متطلبات الدخول مع الوقت تدريجيا.