رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المدارس الأجنبية .. بين الهوية الوطنية وحرية التعليم

[email protected]

على مدى أكثر من ستين عاماً من تاريخ التعليم في المملكة كنا نطبق نظاماً متحفظاً على التعليم الأجنبي داخل المملكة، ولكن الآن أصبح الطلب على التعليم الأجنبي من قبل السعوديين يتزايد، ومع زيادة عدد المدارس الأجنبية في المملكة وانفتاحنا على العالم قررت وزارة التربية والتعليم انتهاج سياسة تعليمية أكثر مرونة تجاه المدارس الأجنبية، فبدأت بالتوسع في إعطاء التراخيص للمدارس الأجنبية وحلحلة الإجراءات وتخفيف الرقابة عن كاهل هذه المدارس، ثم اتخذت خطوة أكبر حينما سمحت لهذه المدارس بتطبيق المناهج التعليمية المستقلة التي لا تخضع لرقابة وزارة التربية والتعليم، وكانت المناهج بالطبع تختلف تماماً عن المناهج التي تطبقها الوزارة في مدارسها السعودية، بمعنى: أصبح من حق كل مدرسة أجنبية إقرار وتطبيق المنهج الذي يتناسب مع هويتها بعيداً عن مناهج التعليم السعودي.
إننا نقر بالتعددية التعليمية ونقر بأن حرية التعليم مكفولة لكل الناس في حدود الأعراف الدولية، ونعترف بأن المدارس الأجنبية في كل دول العالم تطبق مناهج التعليم التي تراها، ولذلك فإن وزارة التربية والتعليم لم تتخذ إجراءات تخالف السائد في العالم.
هذا الكلام عن العالم الذي لا تتأثر هويته بما يجري داخل البلاد، ولكن بالنسبة للبلاد التي تتجذر هويتها في أعماق أعماقها وتتأثر كثيراً بتوسيع دائرة التعليم، فإن الموضوع يحتاج إلى نظرة أعمق من مجرد إعطاء ترخيص للمدارس الأجنبية وتمكينها من ممارسة حرية اختيار مناهجها التعليمية، لأن الموضوع يتعلق بالهوية والانتماء للوطن.
إن أعداد الطلاب السعوديين الذين يتسابقون إلى الالتحاق بهذه المدارس أخذ يتزايد - كما أشرنا - ويصل إلى معدلات كبيرة ومقلقة، ولاسيما بعد أن أصبحت هذه المدارس - من وجهة نظر كثير من السعوديين - هي التي تدرس العلوم العصرية، وهي التي توفر التخصصات التي يطلبها سوق العمل السعودي.
إن ابتعاد الطلاب السعوديين في هذه المدارس عن دراسة اللغة العربية، وهي مفتاح الهوية الوطنية وهجر العلوم الدينية والاجتماعية.. لا شك أنه يؤثر سلباً في ثقافة الشباب، وله تأثير مباشر في انخفاض درجة الانتماء الوطني لدى هؤلاء الشباب، وهذا شيء طبيعي بالنسبة لخريجي هذه المدارس الذين لا يتقنون اللغة العربية ولا يعرفون تاريخ وجغرافية الوطن، ولا يدركون أبسط قواعد العلوم الدينية التي تتبنى السلوكيات والثقافات.
إذن من الطبيعي أن حس الانتماء للوطن عند خريجي هذه المدارس يضعف ويتراجع، إلى درجة أن الشباب يتغنى بسحر دول أخرى ويرمون مجتمعهم وثقافتهم بالتحجر وبالتخلف، وقرر بعضهم مغادرة الوطن الذي لم يعد مناسباً لتطلعاتهم وذهبوا لاستيطان دول أجنبية.
وفي دول شقيقة من تلك الدول التي بالغت في تطبيق حرية التعليم داخل الوطن.. شهدت هذه الدول عدداً من الأحداث الدرامية لشباب كرهوا الوطن وركبوا سفن الموت، ومخروا عباب البحر الأبيض المتوسط في هجرات جماعية، ولكن أمواج البحر الغربية لم ترحم شبابهم الغض فشدتهم حتى القاع، وفي قاع البحر التهمتهم وفقدوا حياتهم الغضة ولاقى الشباب مصيرهم المحتوم، وحينما تمكن القليل منهم النجاة من الموت والوصول إلى مرافئ إيطاليا، اليونان، وتركيا قدموا للمحاكمة بتهمة أنهم دخلوا البلاد بطرق غير شرعية، فصدرت الأحكام بسجنهم لسنوات طويلة.
دعونا نستفيد من تجارب الدول الشقيقة بعد أن فتحت الباب على مصراعيه للتعليم الأجنبي وللمدارس الأجنبية وللجامعات الأجنبية. لقد سبقتنا دول شقيقة وتبنت سياسة الباب المفتوح للتعليم الأجنبي وشجعت كل دول العالم على افتتاح الجامعات والمدارس والكليات على أراضيها، وتسابقت أوروبا كلها على تصدير ثقافتها، وبنت جامعات تحمل مشاعل التعليم الذي لا يخفى - بأي حال من الأحوال الطعم - الذي تنقله هذه الجامعات إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهكذا نشأت الجامعات الكندية، الروسية، الألمانية، والبريطانية، علاوة على الجامعة الأمريكية (الخالدة!) وتبنت شعار حرية التعليم وتعددية الثقافات.
لقد كان الحس الوطني لدى شباب هذه الدول الشقيقة قبل التوسع في التعليم الأجنبي في أعلى المراتب، ولكن بعد أن فتحت الباب على مصراعيه للتعليم الأجنبي أصبح الحس الوطني يقترب من الغياب.
والآن فإن الدول الشقيقة تجري مراجعة لمجموعة من السياسات، وأهمها سياسة التعليم الأجنبي لمعرفة أسباب ضعف روح الانتماء لدى شريحة كبيرة من الشباب، وتأتي سياسة التعليم في مقدمة السياسات التي يراجعها البرلمان المصري حتى يعيد الهوية الوطنية لدى الشباب إلى سابق عهدها.
وفي ضوء هذه التجارب المريرة التي تورطت فيها دول شقيقة، فإنني أرجو إعادة النظر في كل القرارات التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم لترسيخ التعليم الأجنبي داخل الوطن وإعادة تقييم وتقويم الأمور واضعين سياج الهوية الوطنية في مقدمة أسباب إعادة النظر في سياسة التعليم الأجنبي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي