غياب الوعي والثقافة الاستثمارية لدى المواطن السعودي

غياب الوعي والثقافة الاستثمارية لدى المواطن السعودي

[email protected]

يعاني الاقتصاد السعودي من إشكالية كبيرة تتمثل في غياب الوعي والثقافة الاستثمارية لدى شريحة كبيرة من المواطنين، الأمر الذي أدى إلى سيطرة شبه كاملة للعمالة الوافدة على كثير من النشاطات الاقتصادية والخدمية والإنتاجية. وقد اقتصر دور المستثمر السعودي - في كثير من الأحيان - على إعطاء الصفة الرسمية للمشروعات الاستثمارية القائمة والاكتفاء بمكافأة شهرية بنهاية كل شهر جراء أداء دور الشريك الصوري النائم، فيما ينعم الوافد الأجنبي بالأرباح القياسية التي يحققها في فترات زمنية قصيرة جدًا إلى جانب الخبرة والدراية والمعرفة الكبيرة التي يكتسبها من ممارسة العمل الفعلي في السوق. بالمقابل نلاحظ إدمان المستثمر السعودي على المضاربة في سوق الأسهم السعودي في شركات ليس له بها علاقة أو متابعة حقيقية لسير العمل فيها، بل إن لديه في كثير من الأحيان قناعة راسخة بعدم جدوى هذه الشركات وعدم مساهمتها إيجابيا في الاقتصاد الوطني.
إن غياب الوعي الاستثماري لدى المواطن خلق نوعاً من عدم الثقة بالاقتصاد السعودي وأوجد نوعا من الضعف الواضح في مقومات هذا الاقتصاد. من هنا فإن الأمر يتطلب معالجةً سريعةً وفاعلةً من خلال توعية هؤلاء المستثمرين بأهمية الاستثمار السليم الذي يضيف قيمةً حقيقيةً للاقتصاد الوطني ويخلق فرصًا وظيفيةً حقيقيةً للشباب السعودي العاطل من البنين والبنات. إن تطوير آليات سوق الاستثمار وتحديد طبيعة التحديات الحالية والمستقبلية للاقتصاد السعودي من خلال رؤية علمية دقيقة تستند إلى تشخيص الواقع وتحليل طبيعة المتغيرات المستجدة واستحداث الإصلاحات الاقتصادية والمالية المناسبة من شأنه أن يعزز من ثقة المستثمر السعودي ويؤدي إلى استقرار رؤوس الأموال في السوق المحلي. إن الاقتصاد السعودي اقتصاد يتمتع بإمكانات وموارد مالية وطبيعية كبيرة، وبالتالي فرص استثمارية واعدة، ومع ذلك يشهد هذا الاقتصاد اختلالات هيكليةً وهجرةً كبيرةً لرؤوس أموال سعودية إلى مناطق ودول مجاورة. هذه الاختلالات بدأت تتفاقم وبدأت نتائجها العكسية تطفو على السطح، ومع ذلك لم نَر أي ردود فعل من قبل متخذي القرار في الدولة والمؤسسات الحكومية المختلفة لوقف هذه الحركة وإقناع المستثمرين السعوديين وتشجيعهم على استغلال الفرص الاستثمارية المتوافرة محليًا، وتوفير التسهيلات والمزايا والحوافز بهدف دعم حركة الاستثمار في تلك الفرص.
إن المستثمر في المملكة العربية السعودية يعاني كثيرًا من عدم مصداقية القوانين والمعلومات والبيانات التي يتم نشرها في المملكة، كالمعلومات المرتبطة بطبيعة الأوضاع الاقتصادية لكثير من الشركات والمؤسسات التجارية، وحجم الفرص الاستثمارية المتاحة ونوعها في مختلف القطاعات. إن المستثمر سواء السعودي أو الأجنبي غالبًا ما يجد نفسه أمام تضاربات في طبيعة تلك المعلومات والبيانات الصادرة عن مختلف الأجهزة الحكومية. فالمستثمر يبحث بطبعه عن رؤية واضحة لسياسات الدولة الاستثمارية التي من المفترض أن تنعكس على طبيعة الأنظمة واللوائح والقوانين الداعمة لهذه السياسات. إن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماما ، فقد أكدت السنوات القليلة الماضية عدم الاستقرار في الأنظمة والقوانين المتعلقة بمسيرة الاستثمار في المملكة وعدم التنسيق بين مختلف الأجهزة الحكومية فيما يتعلق بهذه القوانين، وخير مثال على ذلك ما يجرى الآن حول الطريقة المستخدمة في جلب العمالة الأجنبية وآلية الحصول عليها. لقد أحدثت الآليات المستخدمة في هذا الاتجاه نوعاً من عدم الاستقرار وبروز آثارٍ عكسية على المناخ الاستثماري في المملكة، وساهمت في وجود تشوهات اقتصادية وعرقلة في مشاريع استثمارية عديدة كانت على مشارف البدء الفعلي للعمل. إن وجود خطة عامة أو استراتيجية استثمارية واضحة المعالم يشارك في وضعها مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية في الدولة يشكل جزءًا مهمًا وضروريًا في زيادة الوعي الاستثماري لدى المواطن السعودي، ويحرك رأس المال بانسيابية نحو مزيد من التقدم والنمو، ويعزز من وضع الاقتصاد بشكل عام. غير ذلك يعني هروب رأس المال والبحث عن بيئة استثمارية أكثر جاذبية ولا سيما بعدما ألغت التقنية الحديثة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية الكثير من الإجراءات الروتينية واختزلت المسافات وسهلت إجراءات الانتقال والحركة.

الأكثر قراءة