رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سوق الأسهم: بين العقلانية واللاعقلانية

[email protected]

سألني أحد الإخوة حول رأيي في السوق بعد أن تجاوز المؤشر أحد عشر ألف نقطة، حاولت التهرب من هذا السؤال الصعب، ولكن صاحبنا أصرّ على إجابة دقيقة. سر التهرب أن الأسواق علمتنا مرارا وتكرارا التواضع في قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل وحقيقة أن استقراء المستقبل يتطلب معرفة فيما إذا كانت السوق في حالة تركيز على الأساسيات أو أن الحالة النفسية هي الطاغية على تصرفات المشاركين أو شيء من الاثنتين، ومعرفة وزن كل منهما في لحظة بعينها، وبعد أن تصل إلى محصلة للتوجه العام عسى أن تكون قراءة صحيحة لهذا التوجه لكي تساعدك على القرار التالي، حيث عليك السعي لمعرفة أسهم الشركات الأكثر فرصة في الصعود. وبين تلك وذاك وفي مستوى آخر تحديد طريقة العمل هل هي مضاربية بغرض التجارة أو استثمارية طويلة الأجل ولكل منهما فنونه. هذه الأسئلة المتلاحقة وعلى مستويات مختلفة وصعوبة تحسس المناخ النفسي العام تجعل من التنبؤ رهاناً خاسراً، ولكن هذا لا يمنع الناس أبدا من هذا الرهان في كل مكان وكل زمان، فبدون ذلك ليس هناك سوق. بعد هذه المقدمة دعنا نبلع هذه المحاذير ونحاول استقراء السوق.
لنبدأ من الأساسيات، حيث إن هناك عدة معطيات إيجابية، الأولى تتمخض في استمرار أسعار النفط على مستوى عال تاريخيا وانخفاض أسعار الفائدة (تصبح الودائع أقل أفضلية من الأسهم وتخصم الأرباح المستقبلية من الأسهم بنسبة خصم أقل مما يرفع قيمة أرباحها الحالية)، وأخيرا حالة الاطمئنان النابعة من تعمق السوق أفقيا ورأسيا. من الناحية الفنية، بعد الانحدار الكبير في شباط (فبراير) 2006 تحرك المؤشر بين ستة آلاف وعشرة آلاف نقطة على مدى سنة حتى وصل إلى كسر هذا الحاجز النفسي الجديد، وصاحب تلك الفترة انخفاض نسبي في أحجام التداول، مما ينذر عادة بنزول. سئم المشاركون من هذه الوضعية وبعد لعق البعض جراحه لم يجد بديلا عن الرجوع إلى السوق، كذلك أسهمت في ذلك الأرباح المترتبة على الكثير من الإصدارات الجديدة. الصورة الكبيرة للسوق أساسيا وفنيا وعلى الأقل في أجزاء كبيرة منها ترمينا في الخانة العقلانية المتفائلة. الارتفاع المفاجئ السريع والابتعاد تدريجيا عن القيم الجوهرية وتقلب الأسواق نفسيا يرميها سريعا في خانة اللاعقلانية ويجعل من محاولة استقراء الأسواق عقلانيا محاولة يائسة أحيانا وساذجة أحيانا أخرى. إصرار أخينا على معرفة القطاعات والجزئيات قادنا للحديث عن بعض التفاصيل وقادتني محاولة التهرب للحديث عن قطاع التأمين.
صناعة التأمين مجال واعد، حيث إن نسبة عوائد التأمين في المملكة لاتزال منخفضة جدا مقارنة بالدول متوسطة التقدم، ناهيك عن الدول المتقدمة، ولكن هناك فرقا كبيرا بين جاذبية صناعة التأمين وبين قدرات بعض الشركات في الاستفادة من هذه الفرصة وفيما إذا كان هناك تغيير جذري في ثقافة التأمين إلى حد نجاح أغلب هذه الشركات. نظرا لصعوبة هذه الصناعة من النواحي الفنية والاستثمارية ومحدودية تجارب البعض من إدارات هذه الشركات، فإن الاحتمال وارد في أن البعض منها سينجح والبعض الآخر لن ينجح إلى حد يفسر هذا الارتفاع في أسعار أسهمها في السوق. البعض من هذه الشركات بلغ خمسة عشر ضعف سعر الطرح والأقل منها بلغ خمسة أضعاف تقريبا في فترة وجيزة دون النظر حتى إلى الأداء، البعض لن يحقق أرباحا مجزية في المدى المنظور ولذلك فإن العلاقة مع أسعار الأسهم غير عقلانية. قد تستمر اللاعقلانية لفترة طويلة وتعاند الأساسيات ولكنها في الأخير ستخضع لقانون جاذبية القيمة الجوهرية. في فترة اللاعقلانية هذه سيربح بعض المضاربين ولكن جزءا أكبر من المشاركين سيخسر.
العقلانية واللاعقلانية في الأسواق جميعا تجد أصلهما في حقيقة أزلية تقول إن الاستثمار يحكمه الخوف والطمع. الخوف يمنع المستثمر من أخذ الفرصة المتاحة، والطمع يُذهب الأرباح بعد تحقيقها. هذه الطبيعة في حركة الأسواق تجعلها تبالغ في الصعود وتبالغ في النزول، مما يخلق فرصا للمتاجرة والاستثمار. الاستفادة من هذه الطبيعة تتطلب توازنا في التفكير وذهنا متوقدا وسرعة في الحركة وهذه الصفات لا تتوافر للغالبية.
لعل المدرسة الواقعية (تقبل في اللاعقلانية وتنتظر العقلانية) هي حالة قبول وتكيف مع حركة السوق والاستدلال للنجاح بالمرونة والحسابات الذهنية والمتابعة لكل العوامل المؤثرة. الركيزة الأخيرة لهذه الواقعية في الطرح هي أن الأسواق المعتمدة على السلع تتطلب واقعية أكثر ولكنها ليست حكرا عليها. أزلية الخوف والطمع والتفاؤل والتشاؤم وأرضية الأساسيات الصلبة ستبقى دائما سقف وسطح السوق للأبد في كل زمان ومكان.
بعد هذا الحديث الممل ومساهمة الحاضرين في بعض النقاط ذات العلاقة أحيانا والطريفة أحيانا وعدة أكواب من الحليب بالزنجبيل تململ صاحبنا ولكن عقل المهندس الدقيق فيه تغلب على الإصرار وقبل المدرسة الواقعية على مضض واستطعت الإفلات من التنبؤ بما يصعب التنبؤ فيه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي