رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل لمعضلة الفقر من حلول؟

[email protected]

أجرت جريدة "الجزيرة" في يوم الخميس الموافق 4/12/1428هـ استطلاعاً ميدانياً في مجموعة من أحياء مدينة الرياض, شملت: منفوحة, المرقب, سلطانة, الشميسي، الجرادية, وابن دايل وفي هذه الجولة التقت مجموعة من المواطنين والمواطنات الذين عبروا عن أحوالهم البائسة نتيجة الفقر, والعوز الذي ازداد مع زيادة الأسعار، والغلاء الفاحش الذي طال كل مجال من مجالات الحياة. وقد توقفت كثيراً عند رغبة ملحة عبر عنها من تمت مقابلتهم سواء من أبناء هذه العائلات, أو أولياء أمورهم, وتمثلت هذه الرغبة في الحصول على الوظيفة. وحيث صدرت الميزانية العامة للدولة وبلغت أرقاماً قياسية لم تبلغها من قبل, لذا فإن مناقشة موضوع الفقر قد تكون مناسبة من خلال هذا الإطار. الاعتمادات المالية المرصودة لمجال التعليم كبيرة، حيث بلغ ما رصد للتعليم العام والعالي ما مقداره 105 مليارا ريال مما يعني الاهتمام الكبير من قبل الدولة في هذا المجال, والذي من خلاله يمكن معالجة الفقر وذلك بتأهيل أبناء الوطن وإكسابهم المهارات التي تؤهلهم للعمل بهدف سد حاجتهم, وضمان مورد دخل ثابت يحفظهم وأسرهم، ويجنبهم التشرد, والانحراف الذي قد يكون الفقر أحد أسبابه. إن الطلب المتكرر الذي ورد على لسان من تم التقاؤهم في الاستطلاع المشار إليه هو توفير العمل أو كما عبروا الوظيفة. وكما هو مسلم به أي عمل لابد من توافر مهارات أو معرفة لدى من سيقوم به، ولا نتصور أي عمل مهما كان بسيطاً دون مهارات تناسبه وتمكن من إنجازه. في الأعوام القريبة الماضية كنا نسمع, ونقرأ عبر الصحف مناداة الكثير من خريجي الجامعات، وكليات التقنية بتوفير فرص العمل لهم حتى أن البعض منهم مرت عليه سنوات عديدة بعد تخرجه, وهو على هذا الوضع, والجميع يعلم الأضرار الفادحة على مستوى الفرد، والمجتمع, فالإحباط, والأمراض الجسدية, والانحرافات, كالسرقة, والجنس والوقوع في المخدرات استخداماً أو بيعاً وترويجاً كلها آثار متوقعة لوجود عدد من الشباب دون عمل يشغلهم, ويقضي على أوقات فراغهم, ويفرغ الطاقات العقلية, والنفسية, والجسمية التي يتمتعون بها. المتمعن في وضع مجتمعنا من حيث الأعداد الهائلة من العمالة التي توجد فيه يتساءل, هل من المعقول أن يوجد مواطن دون عمل مع هذه الأعداد الهائلة من العمالة الوافدة؟!
وبغرض الإجابة عن هذا السؤال إجابة موضوعية, ومنطقية يحسن التعرف على طبيعة الأعمال التي يمارسها الوافدون. بجولة في أسواق وشوارع مدننا يلفت النظر كثرة البقالات, والمطاعم, والدكاكين التي تعرض كافة البضائع من مواد تموينية وملابس وإكسسوارات, ومواد بناء, وغيرها. كل هذه الأماكن وبلا استثناء يعمل فيها الوافدون, حتى الأعمال التي استهدفت الجهات الرسمية سعودتها لم تنجح في ذلك حيث خرجوا لفترة وجيزة من الباب ورجعوا من الشباك مما يدل على أن خللاً يوجد في الأجهزة الرقابية, وفي المجتمع الذي يساعد بعض أفراده الوافدين على التحكم في مهن كثيرة. تساءلت: هل كل المهن تتطلب مهارات دقيقة وتدريبا مكثفا؟ فألفيت الإجابة من هؤلاء العاملين في هذه الأماكن, كثيراً ما أسأل العاملين في الدكاكين والمعارض عن المؤهلات التي لديهم فلم أجد من ذكر لي أنه يحمل بكالوريوس تجارة, أو دبلوم تسويق، أو غير ذلك, كما لم أجد من خضع لدورة تدريبية في مجال البيع والشراء, لكن المجال المفتوح الذي وجده الوافد حين قدومه للمملكة والجرأة, إضافة إلى كفيل يمكنه من التسلل لمثل هذا العمل هو الذي أوصله هذا المكان. هل الشباب السعودي عاجز عن ممارسة البيع والشراء؟! أو العمل في مطعم على شكل مضيف أو طباخ أو ما شابه ذلك؟! لا أعتقد ذلك ليس لأن هذه الأعمال لا تحتاج إلى مهارات للقيام بها, لكن لأن المهارات المطلوبة ليست بالمعقدة, والصعبة أو تلك التي تتطلب تدريباً مكثفاً, وطويلاً. لو تأملنا في مهنة البائع لوجدنا أن خصائص البشاشة, حسن الاستقبال, اللباقة, اللين، الابتسامة, واختيار الكلمات الرقيقة, مع الاجتهاد في إبراز محاسن البضاعة, كلها خصائص يمكن التدريب عليها واكتسابها, كما أن الضيافة في المطاعم, وتجهيز الطعام ليس بأمر مستحيل إذا ما توافرت فرص التدريب, والرغبة الجادة في الحصول على عمل. أعتقد أن وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل قد تساعدان أبناء الأسر الفقيرة من خلال عقد ورش عمل ينخرط فيها الراغبون في الحصول على العمل في المجالات التي سبق الإشارة إليها خاصة مجال البيع, والشراء, والعمل في المطاعم والتي تملأ الشوارع, والأسواق. إن عقداً مع فندق, أو مطعم مشهور, أو مع شركة من الشركات الرائدة في مجال التدريب قد يكون مناسباً لإحداث نقلة في حياة هؤلاء الأفراد الذين سدت الأبواب في وجوههم، وأصبح الهم, والإحباط مصيرهم, لا أعتقد أن الاستمرار في دفع المعونات المباشرة هو الحل رغم ضرورة توفيرها حتى يتم تأهيل هؤلاء الأفراد, وتوفير فرص العمل لهم. إن انتظار هؤلاء في منازلهم لمن يقرع الباب عليهم كي يعطيهم معونة نقدية أو تموينية أصعب من أن ينخرطوا في دورة تفتح لهم آفاق المستقبل, كما أن الآثار السلبية الناجمة عن بقائهم عاطلين عن العمل تكلف المجتمع غالياً في أمنه واستقراره وموارده التي تصرف على علاج ما ينتج من انحرافات ومفاسد. إن ثقافة العمل السائدة لدى كثير من الشباب مرتبطة بالعمل الحكومي أو الوظيفة الرسمية، حيث أن الوظيفة الحكومية أصبحت شرطاً للزواج حتى وإن كانت هذه الوظيفة متواضعة ودخلها محدودا, ولذا فإن من أولويات تأهيل الباحثين عن العمل تغيير ثقافتهم بحيث يكون المفهوم شاملاً وليس محدوداً بالعمل الحكومي، بل يدخل فيه العمل في شركة أو عمل خاص يزاوله الفرد دون إشراف طرف آخر, وهذا ما يعرف بالأعمال الحرة, كما أن تغيير الاتجاهات السلبية نحو بعض الأعمال يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تأهيل العاطلين وإكسابهم ما يؤهلهم للانخراط الفعال في المجتمع, وكسب رزقهم بأيديهم وهنا حتماً يترتب عليه إحداث نقلة في حياة هؤلاء الأفراد وأسرهم على حد سواء مما يخرجهم من دائرة الفقر, والعوز, والاتجاهات السلبية نحو الذات, والمجتمع إلى دائرة الاتجاهات الايجابية نحو الذات ونحو المجتمع ويشعرهم بأنهم أفراد عاملون ومنتجون. إن سوق العمل الواسعة في بلادنا وتنوع الأنشطة, والأعمال يتيح الفرصة للاختيار بين المهن خاصة أن مهناً كثيرة يقوم بها بل وتحتكرها بعض الفئات الوافدة. إن بذل الجهود للارتقاء بالمستوى الاجتماعي، والاقتصادي من خلال إكسابهم ما يؤهلهم لمزاولة المهن المناسبة لهم ما هو إلا انتشال من دائرة تحيط بها كافة المخاطر, ولنا في مقولة الخليفة عمر بن الخطاب إن الفقر يكاد يكون كفراً موعظة وعبرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي