شركات استثمار الأموال .. هل من مجيب؟!
هآنذا أكتب مرة أخرى عن أزمة مساهمي شركات استثمار الأموال الذين طال عليهم الأمد وهم ينتظرون انفراج أزمتهم ورد أموالهم التي استثمروها من أجل سد احتياجات أسرهم المعيشية بعدما ضاقت بهم السبل وتوالت عليهم الأزمات وتفشت بينهم البطالة وتزايدت تكاليف الحياة. لقد وجدوا في هذه الشركات وما تمنحه من عوائد مجزية حل لمشكلاتهم المالية والعون في مواجهة التحديات التي كانت تعصف بالاقتصاد الوطني آنذاك. صغار المساهمين لم يجرؤا على الدخول في هذه المساهمات إلا حين تأكدوا من قانونيتها وأنها تعمل تحت نظر وزارة التجارة وفي وضح النهار، كما أن مساهمة بعض موظفي الدولة وكبار التجار الذين هم على قدر من المكانة والحصافة عزز الثقة بهذه الشركات وجعل الآخرين ممن هم أقل حظاً يحذون حذوهم ويقبلون على الاستثمار. بعض هذه الشركات مضى على إنشائها أكثر من ثماني سنوات، ومع مرور الوقت تزايد عدد المساهمين حتى أن البعض منهم لم يسهم إلا قبل أمر إيقافها ببضعة أشهر! إن السماح لهذه الشركات بممارسة أعمالها تحت تصنيف شراكة المحاصة، منحها الصفة القانونية، بل إن المراجعات المحاسبية وإجراءات التدقيق من قبل وزارة التجارة وعدم إفادة العموم بالنتائج واستمرار الشركات في أعمالها، كل ذلك أعطى مؤشرا بقانونية وصحة أعمال هذه الشركات. إلا أنه فجأة ودون مقدمات تم إيقاف أعمال هذه الشركات منذ ما يقارب خمس سنوات وتم إيداع المسؤولين في هذه الشركات السجن ليمضوا فترة ثم يطلق سراحهم منذ نحو عامين وبعضهم أكثر من ذلك، وحتى الآن لا أحد يعلم لماذا أودعوا السجن؟ ولماذا أطلق سراحهم؟ وهل ستتم إعادة أموال المساهمين؟! أسئلة محيرة تدور في أذهان المساهمين تؤرقهم وتجعل في نفوسهم غصة واحتقانا وشعورا بالإحباط وغضبا عارما يعتلج في نفوسهم دون أن يجدوا إجابة. وفي ظل ذلك كله يبقون مهمشين دون إفادتهم، ما الإجراءات المتبعة؟! وكيف ستتم إعادة أموالهم إليهم؟! لقد تولد لديهم مع طول الانتظار والجهل بما يحدث إحساس كبير بالظلم وبعدم الاهتمام بقضيتهم وحقوقهم. إن من حق المساهمين معرفة تفاصيل الأزمة التي حلت بهم حتى يكونوا على بينة من الأمر ويعلموا ماذا لهم، وماذا عليهم، ومنحهم الفرصة لإبداء آرائهم وطرح مشكلتهم والدفاع عن حقوقهم في الإطار القانوني والنظام العدلي الذي كفل لهم ذلك. المشكلة أن القضية دخلت دهاليز البيروقراطية والإجراءات المطولة، فمن لجنة إلى أخرى، ولا أحد يعلم بالنتائج وما آلت إليه هذه الاجتماعات؟!
إن تناولي هذه القضية يأتي من باب المتخصص في الإدارة العامة ومحاولة فهم هذه الأزمة من جميع أبعادها كحالة إدارية تستحق الدراسة والوقوف عندها طويلا، فضلا عن أنها مشكلة إنسانية يعانيها الكثيرون تتطلب إبرازها إعلاميا كقضية تهم الرأي العام، وهي أيضا تأتي في سياق التوجه الحميد الذي اختطته الدولة في التطوير والإصلاح الذي طال جميع القطاعات الحكومية، هدفه رفع مستوى الكفاءة والفاعلية وتحسين قدرة الأجهزة الحكومية للاستجابة لمتطلبات المواطنين. هذا ما يشجع على تناول القضية في إطار الإصلاح الذي تنشده الدولة التي جندت له الكثير وأنشأت التنظيمات التي تهتم بالإصلاح الإداري، ومحاربة الفساد، وحقوق الإنسان، إلى إصدار نظام عدلي يحسن أداء المحاكم ويزيد من فاعليتها وكفاءتها وغيرها الكثير. إن الدافع من وراء هذه الأنشطة الإصلاحية هو حرص ولاة الأمر- أيدهم الله وسدد خطاهم - على المضي قدما في المشروع التنموي الإصلاحي والارتقاء بالعمل الحكومي وضمان إحقاق الحق ونشر العدل وبسط الأمن والأمان في دولة الإسلام والسلام. إن المبادئ الإسلامية الفاضلة والقيم العربية الأصيلة التي تأسس عليها النظام السعودي، والحكمة والبصيرة السياسية التي أسس لها الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ هي منبع هذه التوجهات الإصلاحية وهي مقياس نجاح وتقدم وتطور المجتمع. إن جميع المجتمعات والنظم دون استثناء تحرص على التعرف على مدى تحقيق نظمها وأجهزتها الكفاءة والفاعلية والاستجابة لمتطلبات العموم. وهذا الحرص يدفع إلى التعرف على الفجوة بين الأداء الحالي والوضع المرغوب، والاعتراف بأن العمل الإنساني مهما بلغ من الدقة فهو عرضة للخطأ. من هنا كان لزاما ملاحظة الحالات الإدارية السلبية خاصة المؤثرة في شريحة كبيرة من الناس كمؤشر لمعالجة بعض الأخطاء أو تطوير النظم لاستيعابها. إن العملية الإدارية هي في جوهرها مجموعة من الخبرات التراكمية التي تتطلب خوض تجارب جديدة والبحث عن سبل تستوعب المستجدات وتحقق الكفاءة والفاعلية والاستجابة. إن أي مشكلة إدارية تطفو على السطح هي علامة ودليل على أن هناك حاجة لمراجعة بعض النظم، فربما كانت هناك معطيات جديدة تتطلب أخذها بعين الاعتبار، المعيار في ذلك تحقيق المصلحة العامة وتلبية احتياجات المواطنين. وكلما كانت القدرة على اكتشاف القصور في الإجراءات الإدارية وما يتبعها من مشكلات في وقت مبكر كلما كان ذلك أدعى لمعالجتها قبل استفحالها ووأدها في مهدها.
إن مقولة "القانون لا يحمي الغافلين" (أو المغفلين والجاهلين) مقولة خاطئة وغير مقبولة وتتنافى مع المنطق والشرع، فإذا كان القانون لا يحمي الجاهلين والغافلين وهم عموم الناس، فمن يحمي؟! إن على الإدارات العامة مسؤولية كبيرة وعظيمة في تثقيف المجتمع بالواجبات والحقوق وحماية الأفراد من تعدي بعضهم على بعض عبر سن التشريعات والسياسات والإجراءات التي تكفل الانضباط الاجتماعي، بدلا من التراخي إلى حين تقع الفأس بالرأس. فعموم الناس يضعون ثقتهم بالأجهزة الحكومية التي هي مسؤولة عن الحفاظ على حقوقهم وتحقيق المصلحة العامة، وبالتالي فإن أي تقصير من الجهات الرسمية يكون له تبعات عظيمة على شريحة كبيرة من الناس، ذلك أن العموم ينقادون للقرارات والسياسات العامة التي تأخذ شكل التصريح بإصدار تشريعات وأنظمة جديدة تنظم الحالات المستجدة أو السكوت عنها ليفهم ضمنا قبولها وعدم تعارضها مع القانون العام والأعراف والتقاليد والمصلحة العامة. هذا ما حدث لمساهمي شركات استثمار الأموال حينما استجدت وبدأت ممارسة نشاطاتها في واضحة النهار ولفترة طويلة وأصبحت حديث المجتمع وعندما لم يعترض عليها من قبل الجهات الرسمية ولم توقف أنشطتها منذ البداية، ظن الناس أن أعمالها قانونية وأنها لا تتعارض مع القوانين العامة وتحظى بالشرعية والقبول، كيف لا وكبار الموظفين والتجار على رأس قائمة المساهمين. ولذا فإن تأخر الجهات الرسمية في إيقافها منذ اليوم الأول هو ما جعل الناس يعتقدون بقانونيتها وليتزايد الإقبال عليها يوما بعد يوم، ولذا فالمسؤولية لا تقع على العموم، ولا يمكن أن تتخلى الجهات الرسمية عن مسؤوليتها تجاه هذه القضية بتطبيق مقولة "القانون لا يحمي الغافلين"، لأن الناس لم يكونوا غافلين بل كانوا متحرين لردة فعل الجهات المعنية، وعندما لم يكن هناك اعتراض من قبلها أعطى ذلك مدلولا قانونيا بالسماح وبجواز التعامل معها. وحتى لو تم قبول الرأي الذي يقول إن المستثمرين كانوا غافلين وهم من أوقعوا أنفسهم في المشكلة وبالتالي لا يمكن حمايتهم، ألم يكن من المفترض تنويرهم قبل وقوع المشكلة وانتشالهم من جهلهم وغفلتهم حتى يكونوا على بينة من الأمر! ألم يكن من الأجدر عدم استمرارهم في جهلهم حتى بعد وقوعها بتزويدهم بالمعلومات التي تفيدهم لماذا تم إيقاف هذه الشركات؟ وما الإجراءات التي ستتبع للحفاظ على حقوقهم المالية؟ ولماذا تم التحفظ على المسؤولين عن هذه الشركات؟ ولماذا أطلق سراحهم؟ هل الأموال التي بحوزتهم كافية؟ وإذا لم تكن كافية هل ستساهم الحكومة في سد النقص؟ هل هناك جدول زمني لما سيتم عمله؟ هل سيغيب أصحاب الشأن عن اللجان التي شكلت للنظر في القضية؟ لا أحد يعلم!! ما يجعل المستثمرين في حيرة من الأمر ويخوضون تجربة مريرة لأنهم أدخلوا في نفق مظلم لا يعلمون كيف يخرجون منه وليس هناك من يرشدهم ويأخذ بأيديهم، وهنا يكونون بحق مغـفـ...... !