الفكر الإداري الكلاسيكي و"تقفيلة السنة المالية"
في القطاعات الحكومية ومع مرور زمن طويل على استخدام الحاسب الآلي والتوجيه بتبني مشروع الحكومة الإلكترونية, إضافة الى تعديل اللوائح المالية، فيما يتعلق بنظام المشتريات, مازالت هناك ممارسات تتكرر بالأسلوب نفسه كل عام. خلال الأيام الأخيرة من "تقفيلة السنة المالية" - كما يحلو للبعض استخدامها - تبدأ الإدارات في العديد من الأجهزة المركزية أو في الإدارات المرتبطة بها في المناطق بالتحرك وبنشاط كبير غير معهود إلا في هذه الأيام بمواصلة الليل بالنهار, ويكلف من يكلف ويلغى قرار ويصدر قرار, كل ذلك في سبيل صرف ما تبقى من البنود، ومن ثم إعلان الصرف لميزانية العام "100 في المائة"! لقد كانت هذه الإدارة أو تلك تسعى لتنفيذ ما هو مطلوب منها بالتكسير والتجبير لأن "البند لا يسمح" على الرغم من أنها الطالبة لذاك المبلغ وتلك الآليات. ولكن فجأة وفي آخر لحظات الميزانية وقبل إعلان الميزانية الجديدة بفترة وجيزة "سمح البند وبكرم حاتمي" غير مسبوق. في هذه الأثناء ما الذي يمكن أن نطلبه ومتى سيورد؟ وما الذي يمكن أن نرممه ومتى سيصدر أمر الصرف؟ هنا وفي هذا الوقت الحرج تبدأ المساومة على طلبات "آخر لحظة" فتملى الشروط في وقت لا مجال فيه للنقاش, ويستفاد من الصلاحيات في إصدار الأوامر بالشراء المباشر وما كان يمكن أن يورد بـ (ألف) يورد الآن بـ (مليون) لأن الحسابات اختلفت مع اختلاف الآلية والزمن. بالطبع سيكون على الأجهزة الخدمية أن تعاني من نوعية الأداء وجودته على المديين المتوسط والطويل لأن الموظف ما زال لديه مجال يتحرك فيه مستفيدا من بعض التصرفات ومستغلا لتأخر التنظيم الآلي لكثير من الإجراءات. ما يزعج حقا أن الميزانية تلو الأخرى وعبر خمس سنوات مضت تشير إلى زيادة مطردة في جميع أبوابها وبنودها إلى أن وصلت إلى مستويات قياسية لا يمكن لنا إلا أن نحمد الله على ما نحن فيه من خير ونسأل المولى عز وجل أن يمن على ولاة أمورنا بدوام العزة والسؤدد حيث سخروا ويسخرون كل ما يوفر رخاء الوطن وكريم العيش للمواطن, إلا أن أسلوب أداء بعض الجهات مازال يعاني من كلاسيكية المنفذ, واستمرار الخلل في التنفيذ. للأسف مع مرور كل هذه السنوات ما زالت هناك "طلبات آخر لحظة" أو ما يسمى أيضا "تقفيلة السنة المالية" والتي تتمحور حول عدم قدرة الجهاز على الصرف أو المناقلة بين البنود للصرف خلال عام بأكمله فتلجأ إدارات المشتريات إلى شراء ما لم يكن مخططاً له أو تنفيذ ما كان أصلا خططا بديلة, فتضيع علينا فرص تنفيذ الأولويات ونبقى دائما نشتكي حال المخصصات. قد يعتقد البعض أنها عشرات الألوف من الريالات, ولكن ماذا لو كانت عشرات الملايين؟! ولو حسبنا أن قطاعا خدميا واحدا يشرف على مديريات تغطي 13 منطقة إدارية في السعودية فعندها ستكون الأرقام متجاوزة مئات الملايين التي لو حسبت في عشر قطاعات على سبيل المثال فسنتحدث عن المليارات! أليس ذلك مدعاة للمراجعة؟ أليس ذلك مدعاة لربط الإنتاجية بالصرف؟ أليس ذلك مدعاة للقيام بإعادة النظر في الخطط وما تم تنفيذه منها وآلية تنفيذها؟ هذه ظواهر سلبية قد تتكرر كل عام، ولكن هل يمكن أن نتجنبها فيما بقي من سنوات الخطة الخمسية الثامنة ومن ثم نقضي عليها للأبد في الخطط التنموية المقبلة؟
إن كانت هناك معاناة في القطاع العام فلماذا تنتقل العدوى بشكل من الأشكال إلى القطاع الخاص الذي أعطي ومنح أعظم الفرص بل وتم تعديل كثير من الفقرات في الأنظمة المالية وغيرها لتسهيل إجراءات العمل؟ لقد وضح أن تأخر قطاع المقاولات مثلا في هيكلته وتصنيفه وتطبيق معايير الجودة على أدائه وبالذات فيما يتعلق بوضع العمالة وأساليب تشغيل المنشآت لن يقنعنا أن لديه النية في إثبات الحضور على المدى الطويل, وكأن الهدف هو صفقة سريعة للعمر ومن بعدها لا يهم أن تغير النشاط أو طويت السجلات أو ألغيت!
في الواقع ميزانية هذا العام تحوي برامج استراتيجية للتطوير, ومشاريع ضخمة للبنى التحتية أو استكمال خطط تنفيذية مستمرة حافلة بالخير الوفير. لذلك فهناك حاجة إلى تكاتف وتواصل جهود الجميع في كل جهاز من أي من القطاعين العام والخاص مستنفرين جميع العاملين وكأنها أيام "طلبات آخر لحظة" حتى يتم تفادي الوقوع في الأسلوب الكلاسيكي. أعتقد أن أول ما يجب التركيز عليه في هذا العام هو تنمية الموارد البشرية والتقنية, وفي اعتقادي أن عملية التطوير إذا لم تتضمن برامج تأهيلية مكثفة ومتخصصة داخلية وخارجية, علمية وعملية, وللجنسين دون استثناء في جميع مستويات السلم الوظيفي, مع التركيز على المستويات الدنيا منه, فإن إمكانية تحقيق التنمية الشاملة ستسبقها علامات استفهام كبيرة! أما من ناحية التقنية فلابد أن نتخطى حاجز الـ (50 في المائة) في إنجاز مشروع الحكومة الإلكترونية حتى نستشعر إنهاء كثير من المعاملات وإجراءات إعدادات المنافسات والصرف والمتابعة والتدقيق والتصديق وتخليص التراخيص والشهادات دون تدخل الموظف يدويا, وليتم الانتقال إلى المرحلة التالية التي يتوقع لها أن تستغرق من عامين إلى أربعة أعوام إذا ما اجتهدنا في إنجازها. إن الدعوة موجهة إلى القطاع الخاص أن يرمي بثقله في تسريع عملية التخصيص والانتهاء من مشاريع البنى التحتية خلال عامين للقفز بمراحل مشروع الحكومة الإلكترونية إلى مستويات متقدمة جدا تخدم القطاعين وبالذات المؤسسات الخدمية منه, والله المستعان.