رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


العديق

قال صاحبي: هل حدث أن وقعت في شبكة نسيج من الوشايات المتقاطعة؟ ومِمَن؟ من أصدقاء.. جلست، سافرت، أكلت، شربت معهم، فتحت لهم جمارة قلبك، وما دار في خلدك أن زلاتك جنايات وأن عثراتهم كرامات، بل اكتشفت لاحقا (فقط!!) أنك ممن ينطبق عليه: (يا غافل لك الله) وأن أولئك الأصدقاء قد نصبوا محكمة ضدك، جعلوا من أنفسهم خصوما، شهودا، قضاة، هيئة محلفين ومحامين فيها وقرروا إدانتك غيابيا!!
قلت: يحدث أن يقلب لك صديق أو صديقان، ظهر المجن فيتواطئان مع النفس الأمارة بالسوء فيأكلان لحمك حيا دون أن يكرهاه، وذلك لأسباب قد تكون رعناء حينا أو تافهة حينا آخر.. أما أن يتواطأ مجموعة ممن قلت إنك كنت تعتبرهم أصدقاء في جوقة وشايات تتحول إلى مأدبة نميمة يتبارون فيها على تقديم أطباقهم من مطبخ الدناءة، دون أن يجفلوا من سعار اللؤم في أصواتهم كما تقول.. فتلك مكيدة نذلة، فتش فيها عن التقاء المصالح الأنانية، استغل فيها كل طرف ضغائن مؤجلة فجمعتهم على صعيدها الدميم وبالتالي فأصحابها أولى بالرثاء من الشتيمة.
قال صاحبي: لكن الموجع أن لهذه المكيدة دويّاً، جعل أصدقاء آخرين، حتى وإن جاملوك وأبدوا حيادا ظاهريا، في حالة اللا حرب واللا سلم معك، التي هي في النهاية بالنسبة لك أشبه بالسير في رمال متحركة .. الخطو فيها ينبغي أن يكون بحذر شديد، لأن أي كلمة أو إشارة قابلة لأن تؤخذ على منحى يصب في غير صالحك نظرا لأن هؤلاء واقعين تحت تأثير تلك المكيدة النذلة، جرياً مع المثل المعروف: (العيار اللي ما يصيب يدوش!!).
قلت: هذا صحيح .. وليس بإمكاننا تغيير الناس في التو واللحظة.. فهناك منطق للسلوك البشري لخّصته صاحبة رواية (بجعات برية) الكاتبة الصينية يونج تشانج بمقولة: (كلما توافرت النية للإدانة توافرت الأدلة) وهكذا، فمن نسجوا المكيدة ومن كانوا من فريق اللا حرب واللا سلم، لديهم جميعا درجات مختلفة من النيات، السيئ منها سيزداد سوءا حتى يلتف حبلا خانقا على صاحبه، فإما أن يعيش تحت وطأة كابوس تأنيب الضمير، وإما أن يصرخ من نفاد الهواء النقي فيكون جسورا، يقرر بعدها أن يقف على قدميه من جديد، يقطع حبل الوشاية، يعاود تلمس العذر لنفسه منك، أما ذوو النيات الواقعة بين الشك واليقين (اللا حرب واللا سلم) فالزمن كفيل بأن يغربل ظنونهم ... ودائما ما يقدم لك من أساءا إليك هدايا مجانية من زلاتهم وسقطاتهم تكشف لمن شككوا في أمرك حقيقة افتراءاتهم البشعة.
قال صاحبي: قد يكون ما تقول صحيحا غير أن ذلك لن يغير من واقع الحال شيئا (فالقدح الزجاجي المحطوم لا يجبر!!) قلت: المهم ألا تكون أنت القدح. أما تلك العلاقة، فلا تأسف على شذرات شظاياها، ذلك أن هذه التجربة ستصهرك بنارها، تخرجك أشد تجوهرا ونصاعة.. ولا تلقي بالا لما حدث، بعدما حدث، فهو من نكد الدنيا الذي قال عنه جدنا المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بد
وهكذا.. فهذا العدو الصديق (العديق!!) مجرد نكد دنيا .. علينا جميعا أن نتعايش معه مثلما نتعايش مع حماقاتنا التي لا نحبها .. وإذا شئت أمثولة أفضل فتشبث بأهداب قول "غوتة" كاتب ألمانيا العظيم: (الضربة التي تأتيك من الخلف ولا تسقطك، تدفعك إلى الأمام!)، وأبعد من ذلك .. ففي هذه الحياة من الأصدقاء من قالت عنه العرب: (رب أخ لم تلده لك أمك) أما النبراس الذي لا مثيل له، والذي يضيء ولو لم تمسسه نار، فقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي