المناخ الاستثماري السائد في المملكة
استكمالا لما تحدثنا عنه في الأسبوع الماضي حول المستجدات الاقتصادية التي طرأت على الساحة العالمية وواقع الاقتصاد السعودي، في ظل هذه المستجدات فإننا سنتوجه بحديثنا هذا الأسبوع إلى المناخ الاستثماري السائد في المملكة وحركة القطاع الخاص وفاعليته في هذا المناخ. إن الحديث عن المناخ الاستثماري يعني الحديث عن جميع السياسات والإجراءات والقوانين والتشريعات التي تؤثر إيجابا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في القرارات الاستثمارية المراد اتخاذها في بيئة ما. ومما لا شك فيه أن ذلك يقع على عاتق الدولة بتهيئة جميع تلك الظروف والمقومات التي من شأنها جعل المناخ الاستثماري مناخاً ملائمًا وجذابًا للاستثمارات المحلية والأجنبية على حد سواء. ولا شك أيضًا أن حركة القطاع الخاص وفاعليته مرتبطة بدرجة كبيرة بطبيعة تلك الظروف والمقومات. وكما هو معلوم؛ فإن أي اقتصاد لا بد أن يتضمن قطاعين أساسيين، قطاع عام تعود ملكيته للدولة وتديره بمعرفتها من خلال مؤسساتها وأجهزتها الحكومية المختلفة، وقطاع آخر هو القطاع الخاص يملكه أفراد يديرونه بمعرفتهم ووسائلهم الخاصة، وأن كل من يعمل في القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية خارج نطاق الدولة ولا يتقاضى إيراداً من خزانة الدولة يعد منتميًا لهذا القطاع. إن كلا القطاعين سواء أكان قطاعًا عامًا أم قطاعًا خاصًا لا بد أن يهدفا بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى دعم مسيرة التنمية وخلق اقتصاد وطني متين ومتوازن. وفي ظل المستجدات العالمية المتسارعة أصبح للقطاع الخاص في اقتصاديات العالم دور متنامٍ وفاعل في إطلاق المبادرات الفردية وتحفيزها بمختلف أشكالها وأنواعها. ولعل من أكثر الأسباب التي جعلت القطاع الخاص يأخذ هذا الدور المتنامي سرعة اتخاذه القرار، وإنجازه العمل الاقتصادي بدرجة أكبر من الفاعلية والكفاءة، وبعده عن البيروقراطية والروتين الذي أصبح سمةً بارزةً يتصف بها الأداء الحكومي في العديد من دول العالم، لا سيما دول العالم الثالث.
إن الدلائل في المملكة العربية السعودية تشير إلى أنه على الرغم من توافر بعض المقومات والمحفزات الإيجابية، فإن دور القطاع الخاص ما زال ضعيفا وغير مشجع وأن مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي ما زالت متواضعة وما زالت دون المستوى المطلوب فما زالت صادرات القطاع الخاص في جميع المجالات الصناعية والزراعية والخدمية ضئيلة ولا تمثل إلا نسبة بسيطة من إجمالي الناتج القومي. ففي القطاع الصناعي مثلا نجد أن أغلب صناعات القطاع الخاص هي صناعات إحلالية كما أنها استفادت من الدعم الذي توفره الدولة مما يعني أن هذه الصناعات بدأت تواجه صعوبات متعددة بعد تحرير التبادل التجاري بين الدول ودخول المملكة في منظمة التجارة العالمية. من جانب آخر يواجه القطاع الخاص محدودية في التمويل المحلي المتاح للمنشآت لاسيما الصغيرة والمتوسطة التي تمثل نسبة تزيد على 90 في المائة من مجموع المنشآت، العاملة في المملكة. ويعاني القطاع الخاص كذلك استمرار وجود العديد من التشريعات والأنظمة التي لا تتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة الهادفة إلى تشجيع الاستثمار في جميع المجالات. ولا بد من الإشارة إلى الصعوبات الإدارية وضعف الفكر الذي يواجهه ملاك كثير من المنشآت، وكذلك الافتقار الكبير لنظم التدريب والتأهيل الموجهة للقوى العاملة المحلية وانعكاس ذلك كله على الكفاءة الإنتاجية للاقتصاد والأداء الاقتصادي للمنشآت العاملة فيه. هذه الصعوبات، وغيرها ساهمت في هجرة رؤوس أموال وطنية كبيرة للخارج.
إن التحديات والظروف الاقتصادية التي ستفرضها المرحلة المقبلة نتيجة لما يسمى بالعولمة وانفتاح الأسواق تتطلب العمل بمصداقية وشفافية نحو خلق مناخ استثماري إيجابي مملوء بالأفكار والفرص الاستثمارية الجديدة وغير التقليدية. إننا نلحظ في هذه الأيام عشوائيةً لا يمكن تصورها في طبيعة الاستثمارات في المملكة وتوجهها نحو قطاعات اقتصادية ليست ذات قيمة حقيقية مضافة. إن الاستثمارات التي يروج لها اليوم استثمارات متمركزة في مجالات تقليدية غير إنتاجية كالاستثمار في الأسهم والعقارات والودائع المصرفية، وليست استثمارات تؤدي إلى خلق قاعدة إنتاجية ذات قيمة مضافة مرتفعة وتستخدم تقنيات متطورة وحديثة، وتعتمد على أيد عاملة سعودية مدربة ومؤهلة بشكل جيد. إن على القطاع الخاص أن يلعب الدور الإيجابي المفروض عليه في إنشاء المزيد من الصناعات المتطورة، لا أن يقلص من دوره في هذا المجال كما هو الحال عليه الآن. إن رؤوس الأموال الضخمة المتاحة في السوق السعودي التي يتم المضاربة بها اليوم في شركات ومساهمات متعثرة ودون ذات جدوى يجب أن توجه الوجهة الصحيحة، وأن يتم استيعابها في إيجاد صناعات ذات ميز تنافسية تنعكس إيجابيًا على الاقتصاد السعودي ومستوى أدائه. كما يجب على الأجهزة المختلفة في الدولة والغرف التجارية أن تأخذ زمام المبادرة للترويج لهذه الصناعات وفق معايير علمية مدروسة. كل هذا لن يتم ما لم تقم الدولة بدورها في تهيئة البيئة الاستثمارية المناسبة وتوفير المزيد من التسهيلات في مختلف الاتجاهات سواء ما يتعلق بالأنظمة والإجراءات أو ما يتعلق بالتسهيلات الائتمانية التي يجب أن تساهم بها البنوك الحكومية المتخصصة، وكذلك المصارف التجارية العاملة بالمملكة، التي تؤكد الدراسات ضعف مساهمتها ومشاركتها في دعم الاستثمار الخاص وتوجيهه الوجهة السليمة.