نحن الوهابيون3 - 3
.. نتابع ما بدأناه في الحلقة الثانية من هذا الموضوع، وهذه هي المقالة الأخيرة في موضوع لم نجرح حتى أديمه الخارجي، لإكمال بعض الإجابات التي جاءت ناقدة أو معترضة، ورأيت أنها تجري في السياق ضمن الردود، وتنتقل الظنونُ حول اعتقاد سائد عند البعض عن الوهابية إلى حقائق تثبتها الرسائل الناقدة والعاتبة والغاضبة، وأرغب أن يعرف القارئ الفاضل أني لم أدرج ولا رسالة واحدة من تلك التي تعدت أسلوب النقد المحتمـَل، ومع ذلك، رغم شدة وطأتها إلا أنها تنيرُ الدارسَ في مسألةِ سوءِ الفهم التي اختلطت مع أشياء شخصيةٍ، أو موروثةٍ، أو طريقةِ حياة.
ومن الدكتور م.س." الأستاذ نجيب: كيف تدافع عن الوهابية حتى تلك التي هي كما تسميها المنبع أو الأصل وهي تلغي أول شيء أنت تفخر به وهو "العقل"، فإيمان الوهابية- كما تعلم- هو النقل وهو شعار صريح لمحاربة التفكير العقلي والمنطقي.. وطبعا لو ألغينا عقلك لما تركتْ لك الصحفُ الأعمدة المميزة لتكتب بها" .. ها.. صحيح جدا، لو لم يكن لي عقلٌ لكنت أيضا مقيدا بسترةٍ بيضاء مقلوبةٍ وعلى رأسي مقلاة، وحسبتُ نفسي فاتح القسطنطينية.. أحاول جهدي باستمرار أن أوضح لقرائي أني لست دارسا شرعيا، وأخاف الخوض فيما لا أملك تخصصا صريحا به، ولكن الدكتور الفاضل أثار موضوعا ومن حقـِّهِ علي أن أجيبه من واقع معرفتي وليس من فرض القطع بالصحة وصرامة الصواب. عندما يقرأ المهتمُّ في المصادر التي استقى منها الشيخُ محمد عبد الوهاب تجد لازمة تعاد وتزاد وهي ما نسميها بمصادر الثقافة الإسلامية بالمعنى الأنطولوجي (تخصص الدكتور) فتجد أن مصدر هذه الثقافة مصدران أساسيان هما: النص، والعقل.. وباختصار، فإن النص كما أعالجه من مفهوم تخصص دكتورنا الفاضل، هو إطارٌ عام للحركة "الإنسانية"، فلا حرية خارج نطاق النص، لماذا؟ لأن العقلَ البشري جزءٌ من الكون، فلا يمكنه أن يحيط بالكون، فإن تجاوز حدود النص هو تجاوزٌ لحدود القدرة العقلية الإنسانية.. ولكن (و"لكن" هنا مهمة جدا) النص لا يؤدي غرضه إلا العقل، لأن النص تشريع أو نرجع لاصطلاحات تخصص الدكتور ونقول إنه خطاب، وأداة المخاطبة من المرسل إلى المستقبل هي العقل، فلا يمكنك أن تخاطب الحيوان، أو المجنون صاحبنا فاتح القسطنطينية بالمقلاة، أو الرضيع، لانتفاء صفة العقل، لذا جاء ركنٌ مهم للمصدر المعرفي الإسلامي وهو العقل. قل لي يا دكتور من ينفي العقل .. وأنا متضامنا معك سأنفيه!
أما آخر انتقاد فسأترك الرد عليه ممزوجا بالجد والممالحة، لأني واثق أن السائل لا يقصد كل الجدية، ولكنه مبحث جدير بمناولته، فيقول أحد نقادنا المعروفين : "يا أخي كنت أتصورك رائدا فكريا لا يشق له غبار، ولكن انكشف معدنك كنجدي قصيمي، وكل نجدي قصيمي هو وهابي!".. وترون لا يمكن أن يكون الرجل جادا كل الجد، ولكن بما أن هذا القول شائع، ويحكى هنا من ناقد راصد، فعلنا نوضح كيف تعلقُ بوعينا الأشياءُ التي نريدها أن تعلق، ثم تنزلق من وعينا كما تنزلق المواد من سطح البورسلان ما لا يلائمنا تذكره، فكثير من المفكرين الراديكاليين خرجوا من القصيم ونجد بالعموم، فهل أذكركم بالمفكر القصيمي، أو المنيف وغيرهما أسماءٌ تملأ قائمة دسمة، وأما من ناحية التزمت الديني، فدعني أيضا أذكر الناقدَ الدقيق الملاحظة، بأن الأزهر أصدر فتوى بعدم جواز نقل الأعضاء البشرية، وتوفي الشيخُ الجليل الشعراوي وهو يحرم بثبات ذلك، و"ابن سعدي" القصيمي، من أكثر من خمسين سنة، والذي كان يستشهد بأجانب مثل كارنيجي، أفتى في ذاك الوقت بجواز نقل الأعضاء بين البشر، والعجيب أن العالمَ في ذلك الوقت لم يصل إلى تقنيةٍ ناجعةٍ في زراعةِ الأعضاءِ البشرية بعد.
يعني.. لو دققنا في الأمر بدون رأيٍ، أو تجربةٍ، أو غرضٍ، أو فهم، بتصورٍ مسبق، لاتضحت لنا أشياءٌ سنعجب جدا أننا لم نكن نراها من قبل، وعندها سنعرف جميعا عما نتكلم، ونعرف أن نخرج جميعا بالاصطلاح الصحيح للحالة الصحيحة.. ثم جميعا، نصحح المفهوم في كل العالم.. أبسط الأشياءِ، حين نزوَرّ عن رؤيتها كما هي، تصير أشدّ الأمور إغلاقا!
وأخيرا التسامح، التحابّ، التقارب، و.. التراضي!