التعليم الفني والتدريب المهني .. والاستراتيجيات المقبلة!!
إن المبالغ الهائلة التي تنفقها الدولة على قطاع الموارد البشرية لو حققت أهدافها منذ بداية خطة التنمية الثالثة في عام 1980، كان يمكن أن تحول المملكة إلى دولة مصدرة للقوى العاملة المدربة، وكان يمكن أن تنافس إيرادات السعوديين العاملين بالخارج إيرادات البترول.
إن كثيرًا من الدول ترهن دخلها القومي بالموارد البشرية.. هكذا اليابان ودول النمور حتى الصين والهند وقبلهما كل دول العالم المتقدم، وكان الشعار الذي يرفعونه هو التنمية من الإنسان إلى الإنسان.
ورغم أن الدولة السعودية الرشيدة تنفق بسخاء على الموارد البشرية كما حدث في ميزانية 2008، وبالذات في مجالات تقنية المعلومات ومجالات المهن الفنية .. إلا أن المملكة – للأسف - من كبريات الدول المستوردة للقوى العاملة الفنية، ونتيجة لهذا الاستيراد للقوى العاملة، فإنها تخسر مليارات الريالات التي تذهب إلى الخارج شهريا في شكل تحويلات العاملين الأجانب.
يعد التعليم الفني الركيزة الأهم لعلاج أهم المشكلات التي تجتاح الاقتصاد السعودي ابتداء من البطالة إلى مشاريع السعودة التي فشلت في العثور على المعادلة الصعبة بين الإحلال والكفاءة، ثم إلى جريرة عمليات الاستقدام التي مازالت تصيبنا بالفزع.
ورغم أن تاريخ التعليم الفني يعود إلى 50 عاما مضت لكن يبدو وكأنه لم يكن هناك تعليم فني، ونذكر جميعًا المدارس الصناعية التي أنشئت في السبعينيات الهجرية كي نجعل من خريجيها بدايات العاملين في صروح الصناعة الوطنية. ونذكر جميعًا مراكز التدريب المهني التي أنشئت في المناطق الرئيسية في عام 1380هـ، ونذكر المعهد الملكي الذي أنشئ في العاصمة الرياض وحظي بتغطية إعلامية واسعة لأنه كان الأمل الكبير في تغطية كل المهن بالسعوديين.
ثم نذكر المرسوم الملكي الذي صدر متوجًا بإنشاء المؤسسة العامة المستقلة للتعليم الفني والتدريب المهني، ثم سلسلة مشاريع إنشاء كليات التقنية لتعليم الطلاب السعوديين أحدث ما أنتجته التكنولوجيا الحديثة.
والسؤال الآن أين خريجو المدارس الصناعية وأين خريجو مراكز التدريب المهني وأين خريجو الكليات الفنية من سوق العمل السعودي؟
إذا افترضنا أن هذه المراكز والمعاهد والكليات تخرج 20 ألف طالب وطالبة سنوياً، فأين هؤلاء من سوق العمل المتعطش للكفاءات السعودية النادرة جدا، وأتصور أنه إذا تم توظيفهم على وظائف فنية لوصل عددهم منذ نصف قرن وحتى الآن إلى الملايين. أين هؤلاء من الوظائف الفنية التي يعمل فيها الملايين من غير السعوديين؟
المنطق يقول لم يعد مقبولاً أن نستورد العمالة من الخارج وبيننا أكثر من 20 جامعة وغابة من الكليات والمعاهد الفنية ومراكز التدريب المهني، بل المنطق يقول - وتعويلاً على الأرقام التي أنفقت على التعليم والتدريب منذ نصف قرن- إن المملكة يجب أن تنتج العمالة المدربة وتصدرها كما تصدر البترول، بل كان المفروض أن تلعب المملكة دور المنقذ لدول الخليج التي أصبحت العمالة الأجنبية فيها تشكل أكثر من 80 في المائة من عدد السكان.
هناك الكثير من الخلل الذي يمكن أن نلاحظه في هيكل التعليم بصورة عامة والتعليم الفني والتدريب المهني بصورة خاصة، وهذا الخلل أدى إلى فشل مخرجات التعليم الفني في الإحلال الكفء ناهيك عن فشل التعليم العالي في التوصل إلى صيغة مناسبة مع سوق العمل السعودي.
إن الكليات والمعاهد والمراكز لا تخرج كفاءات، وإنما تخرج حملة شهادات، ولذلك حينما يتخرج الطالب في هذه المعاهد يتخرج وهو غير مؤهل للعمل، ولذلك كثرت شكاوى مؤسسات القطاع الخاص وقبله القطاع الحكومي من ضعف، بل جهل الخريج من المعاهد الفنية أو مراكز التدريب.
والمشكلة لا تكمن في تلقينه وتعليمه فقط بل أيضاً في عدم توافر الأجهزة الحديثة في هذه المعاهد. وأنا شخصيًا لي تجارب عملية فقد قمت بزيارة بعض معاهد التدريب الفني والمهني في مدينة جدة وصعقت حينما رأيت الطلاب يتدربون على مكائن عفى عليها الزمن منذ 20 عاماً، ولذلك حينما يتخرج الخريج على يد هذه المكائن التي لا وجود لها في المصانع والمزارع وفي دور الطباعة التي تمتلك مكائن عصرية حديثة، فإنه حتمًا سيكون خريجًا لا يعرف كيف يتعامل مع هذه الآلات الحديثة.
وكان المفروض أن تزود المعاهد والمراكز بأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا العصر حتى يتخرج الخريج بكفاءة وجاهزية كاملة للعمل الفوري.
الأخطر من ذلك أن المجتمع السعودي لا يزال ينظر إلى الوظائف الفنية نظرة دونية، مما يستلزم وضع خريطة للتوعية المجتمعية الواسعة تسعى إلى تغيير مفاهيم المجتمع انطلاقًا من أن الوطن لا يحتاج إلى علماء فقط وإنما يحتاج إلى العالم والعامل على حد سواء، ولذلك إذا كان التعليم الفني يعاني مشكلات من داخله ، فإنه أيضاً يعاني مشكلات من خارج هياكله.
ورغم أهمية التعليم الزراعي إلا أن التعليم الزراعي غائب تماماً عن برامج التعليم الفني والتدريب المهني رغم أن التعليم الزراعي جزء مهم في منظومة التدريب والتعليم، ولاسيما نحن نحفظ المقولة التي تقول: الذي لا يملك قرار غذائه لا يملك قرار استقلاله.
ومن هذا المنطلق فإن التعليم الزراعي في حاجة إلى برنامج شامل للتعليم على تكنولوجيا الزراعة الحديثة وإلا سنظل دولة تستورد قوتها إلى سنوات طويلة.
إن دول الخليج تنظر إلى المملكة على أنها هي الحامي والمنقذ لقضاياها ومشكلاتها، وكان أمل دول الخليج أن تكون المملكة باعتبارها ذات وفرة سكانية عريضة هي الدولة التي تغذي دول الخليج بالعمالة المدربة.. وأخيرا صرح رئيس وزراء قطر في نهاية مؤتمر القمة الخليجي 2007 بأن المملكة هي الدولة الملاذ، ولكن للأسف فإن غياب التخطيط في مجال القوى العاملة جعل المملكة دولة مستوردة للعمالة من الخارج شأنها شأن أي دولة خليجية لا يتجاوز عدد سكانها المليون الواحد، بينما يتجاوز تعداد السعوديين 20 مليون نسمة.
ونستغرب لماذا لا تهتم وزارة الاقتصاد والتخطيط في خططها الخمسية بهذا المشروع ولماذا لا ترقى خطط التنمية إلى مستوى وضع الحلول الخططية لمشكلات المجتمع وإلى متى ستظل خطط التنمية مجرد كتاب ورقي مرفوع فوق الأرفف.
إن الأمل أن تكون المملكة العربية السعودية دولة مصدرة للعمالة الفنية الماهرة لدول الخليج مازال قائمًا.
والمطلوب وضع استراتيجية معلنة تقول بصراحة إننا بعد خمس سنوات أي في عام 2013 سوف يصبح عدد خريجي المعاهد ذوي الكفاءات المدربة الماهرة إلى مليون خريج يتم توظيف بعضهم داخل المملكة ويتم إرسال البعض الآخر إلى دول الخليج واليمن وغيرها من الدول العربية الشقيقة.