النظام العدلي.. هل يتبع بنظام للإدارة المحلية؟
صدر منذ أسابيع النظام العدلي ذو المستويات المتعددة وللقطاعات المختلفة، وهو يأتي ضمن محاولة الدولة احتواء المتغيرات والاستجابة للمستجدات والحرص على الارتقاء وتحسين أداء السلطات القضائية. ومن أهم ما يميز النظام الجديد هو التدرج في الحكم على القضايا والتأكيد على اللامركزية، فقد تم استحداث محكمة عليا تنتقل إليها اختصاصات «مجلس القضاء الأعلى»، المتمثلة في مراقبة سلامة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها، ومراجعة الأحكام والقرارات التي تصدرها أو تؤيدها محاكم الاستئناف من قضايا. وتسبق المحكمة العليا مستويين من المحاكم، هما محاكم «الدرجة الأولى»، التي تقسم إلى عدة محاكم (عامة، وجزائية، وتجارية، وعمالية، ومحكمة للأحوال الشخصية)، تليها بدرجة أعلى محاكم الاستئناف التي تتولى النظر في الأحكام القابلة للاستئناف الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى. أما فيما يتعلق بنظام ديوان المظالم، فقد اعتبر هيئة قضاء إداري مستقلة، تم تقسيم محاكمه إلى ثلاث درجات، هي: المحاكم الإدارية، ثم محاكم الاستئناف، والمحكمة الإدارية العليا. هذا التدرج في السلطة القضائية يضمن درجة عالية من التخصصية والكفاءة والفاعلية وإنجاز القضايا في وقت قياسي، والتأكد من عدالة الأحكام بما لا يدع مجالا للشك ومنح فرص متعددة لأطراف القضية للتأكد من عدالة الحكم . إن هذا التوجه الحميد للدولة يأتي في سياق تطوير القطاع العام والذي تشكل السلطة القضائية أحد دعائمه بالاشتراك مع السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. لذا يتطلب تزامنا مع تطوير السلطة القضائية تطوير السلطات الأخرى. وعلى أن هناك جهودا ملحوظة بالارتقاء بالسلطة التشريعية على جميع المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية تمثلت في إنشاء مجلس الشورى ومجالس المناطق والمجالس البلدية والمحلية، وجهود لتطوير النظم الإدارية عبر اللجنة الوزارية للإصلاح الإداري ومؤسسات التعليم العالي والفني والمهني، إلا أن ذلك يدور في فلك التنظيم البيروقراطي، فالمجالس التشريعية لا تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وأدوارها مازالت في معظمها استشارية، وأعضاؤها في الغالب غير منتخبين، وقراراتها غير ملزمة، وهي لا تمثل بالضرورة مرجعية قانونية للسياسات والتشريعات العامة ولا تمتلك حق المساءلة ومراقبة السلطة التنفيذية. هذا الوضع ألقى بظلاله على أداء السلطة التنفيذية ومنح كامل الحرية للبيروقراطيات (الإدارات العامة) في أن تشرع وتنفذ في آن واحد لتتوحد في عملية صنع القرار دون رقابة اجتماعية من خارج السلطة التنفيذية. إن عدم الفصل بين السلطات الثلاث وعدم التوازن بينها وعدم جعل كل واحدة منها تراقب الأخرى، مدعاة لتمركز السلطة في جهة واحدة ما يؤدي إلى التراخي واللامبالاة والتسيب والترهل والفساد الإداري وعدم الفاعلية والكفاءة. لقد استأثرت الأجهزة التنفيذية المركزية وعبر المراحل التاريخية لبناء الدولة بالقسط الوافر من الصلاحيات لأسباب تنموية واجتماعية واقتصادية تطلبت البت في الأمور سريعا لنقل المجتمع إلى مستويات أعلى من التحضر والارتقاء بالمستوى الثقافي والصناعي والتجاري. لقد كانت الظروف مواتية، بل تتطلب إحداث تغيير اجتماعي واقتصادي اقتضى التعجيل في إنشاء البنى التحتية والفوقية والخدمات العامة الأساسية، كل ذلك أدى إلى الاعتماد وبشكل كبير على الأجهزة التنفيذية بدلا من الإجراءات المطوّلة عبر المجالس التشريعية التي حيد البعض منها وأوقف نشاط البعض الآخر. إلا أن الظروف والمعطيات في الوقت الحاضر تتطلب صياغة نظم جديدة توسع دائرة الإصلاحات التي تم تبنيها بإنشاء المجالس النيابية، بحيث تمنح صلاحيات أكبر تمكنها من أداء أدوار أكبر وأكثر تأثيرا. إن موضوع التطوير يقتضي النظر ليس فقط في توسيع الصلاحيات ولكن وهو الأهم تحديد المسؤوليات ومستويات صنع القرار تتعلق بهرمية المكان، بحيث يكون هناك تفريق وتمييز بين مستويات صنع القرارات الوطنية والإقليمية والمحلية. إن الواقع الإداري يشكو من تداخل بين هذه المستويات واعتماد كبير على فروع الوزارات في تقديم الخدمات التي مرة تمارس أعمالها على أنها إدارات محلية وتارة أخرى على أنها إقليمية، وهي في الوقت ذاته تتبع للوزارات المركزية وتنصاع لأوامرها! ما يعني أن هناك أكثر من جهة تتداخل في توجيه فروع الوزارات. ويزيد الأمر تعقيدا على المستوى المحلي وجود مجلسين هما المجالس البلدية والمجالس المحلية، فيما بعض أعضاء المجالس المحلية هم أيضا أعضاء في مجالس المناطق! هذا التداخل في الصلاحيات والأدوار وعدم تحديد المسؤولية ونطاق الإشراف المكاني يخلق نوعا من الضبابية في العمل الإداري لا يمكن معه تحديد من يعمل ماذا وتبعا صعوبة قياس الأداء وتحديد المسؤول عن النجاح أو الإخفاق. هذا يظهر جليا الحاجة إلى استصدار نظام للإدارة المحلية يحدد كيفية إنشاء الوحدة المحلية وحدودها الإدارية القانونية وإنشاء هيئة محلية منتخبة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري تكون مسؤولة عن أداء الإدارات الحكومية المحلية مباشرة، وهذا ينطبق على المستوى الإقليمي. ما يجب فهمه هو أن النطاق المكاني المحلي وما يكتنفه من قضايا ومشكلات يختلف عن تلك في المستوى الإقليمي. على سبيل المثال الازدحام المروري مشكلة محلية، وهي محصورة في النطاق المكاني المحلي ولا تتعداها إلى مناطق أخرى، بينما مشكلة التلوث هي مشكلة إقليمية لأن الإدارات المحلية تقف عاجزة عن معالجتها وتتطلب إدارة إقليمية تنسق بين جميع المحليات داخل الإقليم الواحد. إذاً معالجة القضايا تتطلب رؤيتها من زاوية البُعد المكاني حتى تكون عملية صنع القرار أكثر كفاءة وفاعلية واستجابة لمتطلبات السكان. لم يعد بالإمكان الاعتماد على الأجهزة المركزية في تقديم الخدمات العامة على المستوى المحلي والإقليمي، فهي يفترض أن تنشغل بالاستراتيجيات والسياسات الوطنية وتحديد التوجهات العامة ذات التأثير الوطني والعمل على التنسيق بين جميع الوحدات المحلية والإقليمية فيما يحقق المصلحة الوطنية، وفي الوقت ذاته يعود بالنفع على سكان المناطق والمحليات. إن استغراق الأجهزة المركزية بالقضايا المناطقية والمحلية أدى إلى عدم الالتفات إلى وضع استراتيجية وطنية وتحولت هذه الأجهزة المركزية إلى أجهزة محلية تتناول أدق التفاصيل المحلية! إن اللامركزية أو حتى التخفيف من المركزية هو خيار استراتيجي وطني لاحتواء التغيرات وزيادة فاعلية الضبط الاجتماعي وتضييق مدى الإشراف. فهناك الكثير من التغيرات الداخلية والخارجية التي تتطلب نظما إدارية محلية قادرة على استيعابها بل الاستفادة منها. قد يكون من أهم التغيرات زيادة عدد السكان، فبينما كان عددهم لا يتجاوز المليونين عند توحيد المملكة أصبح ما يقارب 25 مليونا يعيش نحو ثلاثة أرباعهم في المدن، وتشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة إلى أن عدد السكان في عام 2040م قد يبلغ ما يقارب 45 مليونا 88 في المائة يعيشون في المدن. ما يعني أن هناك تجمعات سكانية عالية الكثافة تتطلب خدمات حضرية، وتمثل ثقلا سياسيا منتشرة جغرافيا على امتداد الوطن. هذا الوضع يحتم وجود آليات جديدة لعملية صنع القرار وتحميل الوحدات المحلية والإقليمية مسؤوليات التنمية المحلية والإقليمية وإزاحة العبء الكبير عن كاهل الأجهزة المركزية التي لن تستطيع الاستمرار ولن تقدر على متابعة الأنشطة هنا وهناك. إن الحديث عن نظام للإدارة المحلية يقتضي التفكير خارج التنظيم البيروقراطي والسلطة التنفيذية إلى إيجاد سلطات تشريعية محلية عبر مجالس نيابية تكون مسؤولة عن إدارة المدن مسؤولية كاملة. إن من شأن ذلك وضوح الدور وتركيز مسؤولية صنع القرار المحلي في هيئة محلية واحدة بدلا من تعدد الوحدات وتداخل الأدوار فيما بينها، ما يؤدي إلى تشتيت الجهود والازدواجية وضعف الاستجابة لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية. إن وجود هيئة محلية لإدارة المدينة يسهم في مواجهة التحديات القادمة من الخارج في ظل العولمة والانفتاح الاقتصادي والثقافي بين المجتمعات. لقد أظهرت العولمة أهمية المدن في المنافسة الاقتصادية وما يتبع ذلك من ضرورة تأهيلها إداريا للعب دور متميز وناضج في التنمية المحلية. لقد أصبح لزاما رؤية الإصلاح الإداري بنظرة شمولية يتم فيها توزيع الصلاحيات والأدوار بين المستويات المحلية والإقليمية والوطنية في إطار القانون العام.